

بقلم:محمد بن محفوظ العارضي
احتفلت الأمم المتحدة باليوم العالمي للغة الأم مؤخراً، وتكمن الغاية من هذا الاحتفال في إبراز قيمة الحفاظ على اللغات الأم حول العالم وتشجيع التعددية الثقافية إلى جانب العلاقات ما بين الثقافات المختلفة. وفي هذا العام، دعت الأمم المتحدة صناع القرار والتربويين والمعلمين والآباء إلى تجديد التزامهم بالتعليم متعدد اللغات والمواظبة على جعل التعليم شمولياً من أجل تسريع التعافي عقب الجائحة.وفي هذا الإطار فإن لغتنا العربية جوهرة متلألئة في تاج منطقتنا وتوحّد 25 دولة متنوعة في أنحاء الشرق الأوسط وإفريقيا.
تشتهر اللغة العربية حول العالم بجمالها وتعقيدها وصورها في الأدب والنثر والخط والفن، وهي مصدر فخر شديد للعرب حول العالم ومثار نقاشات تدور حول الإرث والتاريخ العربي.
إن العربية إحدى أقدم اللغات المحكية في العالم، وكان لها تأثير دائم على العديد من اللغات في ثقافات مختلفة.
في الوقت الراهن، تحتوي أكثر من 50 لغة على كلمات مشتقة من اللغة العربية ومع ذلك، فإن استعمال اللغة العربية، لا سيما بين الشباب، تراجع في السنوات الأخيرة، بالنظر إلى العولمة والتطورات السريعة في التكنولوجيا إذ يفضّل عدد متزايد من الشباب العرب التواصل باللغة الإنجليزية، لا سيما في المنصات الإلكترونية التي تفتقر إلى محتوى عربي كافٍ.
برغم أن العربية خامس أكثر اللغات انتشاراً في العالم اليوم ويتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص، فإن المحتوى الإلكتروني باللغة العربية لا يتعدى 5 بالمائة، وفق موقع Stastista.com، المنصة العالمية الرائدة لبيانات الأعمال.
تعتبر الطلاقة المتزايدة لشعوب المنطقة العربية في التحدث بالإنجليزية ولغات أخرى علامة مبشرة حين نأخذ بالحسبان الأهداف المرتبطة بالنمو الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة فمن المعروف أن إجادة أكثر من لغة واحدة تسهم في تعزيز الأداء الأكاديمي للفرد وحظوظه في التوظيف وإبداعه ومهاراته الكلية في التواصل وقدراته الذهنية.
ولكن بينما من الضروري صقل المهارات التي تسمح لنا بتحسين التواصل مع الناس من ثقافات متنوعة، علينا أن نجدد التزامنا تجاه لغتنا الأم التي تشكل حجر الأساس في هويتنا.اللغة العربية جزء لا يتجزأ من إرثنا وتنطوي التوجهات التي نراها اليوم في اللغات المحكية على مؤشرات إيجابية للمستقبل.
إنني أؤمن إيماناً قوياً بأن الناطقين بالعربية قادرون على تنفيذ سلسلة من المبادرات للحفاظ على لغتنا الأم الحبيبة ونقل هذا الإرث إلى المستقبل وبينما يتم تدريس العربية كلغة إلزامية في مدارس المنطقة، من الممكن اتباع أساليب مبتكرة للسماح للطلبة بالتعرف أكثر على عمقها وقيمتها.على سبيل المثال، يمكننا إلقاء دروس لطلاب المدارس الصغار عن قوة اللغة العربية وتأثيرها على اللغات والثقافات الأخرى.
وقد تسهم المسابقات السنوية، التي تتضمن الكتابة الإبداعية والعروض المؤداة بالعربية، إلى جانب المناظرات والخطابة العامة، في إثارة الشغف باللغة عند عقول الناشئة القابلة للتشكيل.تقع على القطاع الخاص بالطبع مسؤولية عظيمة في النهوض بالمجتمع وصون الإرث ويمكنه اغتنام الفرصة في تجديد الاهتمام باللغة العربية في أماكن العمل والاستثمار في مشاريع تضم جهات معنية خارجية.
تبحث المؤسسات الكبرى باستمرار عن برامج تدريبية مبتكرة لبناء الفرق من أجل رفع معنويات القوة العاملة.
يمكن طرح دروس للغة العربية ضمن هذه البرامج بغرض تحديد مستويات الإتقان عند الموظفين والسماح لهم بصقل مهاراتهم في اللغة العربية على مستوى الكتابة والمحادثة وبإمكان أقسام الموارد البشرية الاستثمار في طرح دورات منظّمة باللغة العربية في مجال الأعمال مع منح شهادات كوسيلة تحفيز إضافية وتشمل وسائل الإعلام العربية اليوم مجالات واسعة.
يمكن للأطراف المهمة في القطاع الخاص أن تعقد شراكات مع مؤسسات الإعلام من أجل دعم صناع المحتوى والأفلام في مشاريعهم باللغة العربية كما يزخر العالم العربي بشباب موهوب وشغوف ولديهم المقدرة على طرح منظور معاصر وجذاب للمحتوى العربي، بينما يملك القطاع الخاص الموارد الكفيلة بتمكينهم عبر إتاحة الوصول إلى المنصات المناسبة.
ومن النتائج غير المتوقعة للجائحة أننا نشهد الآن زيادة في المحتوى الإلكتروني وتتوفر للقطاع الخاص فرصة مواتية للشراكة مع المؤثرين المعروفين لإنتاج محتوى عربي يناسب قنوات التواصل الاجتماعي ولدى قطاع السفر والسياحة فرصة ممتازة لتقديم تجربة متكاملة لملايين السياح الذي يزورون البلدان العربية كل عام ومع التنبؤ بارتفاع مستويات السياحة الوافدة عقب الجائحة فور تلقي غالبية سكان العالم للقاح، يحين الوقت المناسب لاغتنام هذه الفرصة.بإمكان شركات قطاع السياحة بذل جهد إضافي بشمول تعلم اللغة العربية فيما يقدمونه من عروض للسياح الذين يجهلون اللغة ومن الخيارات الرائعة في هذا الصدد إنشاء تجارب تفاعلية في المطارات والفنادق وأماكن الجذب السياحي، مثل الأجهزة أو التطبيقات التي تعلّم الكلمات أو العبارات الأساسية.على نحو مماثل، يمكن للجولات التعريفية أن تتيح للضيوف تعلّم العربية، وبإمكان الفنادق تقديم دروس قصيرة بواسطة أنظمة الترفيه في الغرف، إلى جانب تقديم دورات شخصية للنزلاء الراغبين في زيادة اطلاعهم على اللغة العربية.
نمرّ اليوم بمرحلة مثيرة للاهتمام مع عبورنا إلى عصر ما بعد الجائحة ويعد هذا التوقيت مناسباً للغاية من أجل إظهار مدى تقديرنا لإرثنا من خلال استكشاف سبل جديدة لإيجاد الفرص الكفيلة بصنع مستقبل مشرق ومزدهر.
لطالما كان للغة العربية تأثير بالغ على امتداد العصور وقد أدت دوراً محورياً في توحيد الشعوب من ثقافات مختلفة
وتستطيع اللغة العربية بواسطة التكيف والتخطيط الاستراتيجي، أن تحدث أثراً ملحوظاً في تمكين المنطقة العربية من مشاركة موروثها الغني مع الأصدقاء والحلفاء حول العالم.