علي المطاعني: يذكرونك فقط عندما يحدث خطأ..!

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٣/أبريل/٢٠٢٦ ١٨:٢٨ م
علي المطاعني: يذكرونك فقط عندما يحدث خطأ..!
علي بن راشد المطاعني

تفاعلاً مع المقال الذي كتبته رأفةً بالإعلاميين في الجهات الحكومية والخاصة، وردتني اتصالات من جهات عدة؛ حتى من دول مجلس التعاون، تتلخص في أن الإعلاميين لا يتم ذكرهم إلا عند وقوع الخطأ فقط، واستطرد آخرون في معاناتهم في هذا الشأن بشكل غير طبيعي، مؤكدين أنهم أشبه بالضحايا لاختيارهم دراسة الإعلام أو العمل في دوائر الإعلام والتواصل الاجتماعي، الأمر الذي أفقدهم كثيراً من الاستقرار النفسي والأسري نتيجة الضغوط المتواصلة التي يعيشها هؤلاء الجنود في خنادق وميادين الإعلام المختلفة، دون مراعاة واضحة أو تقدير كافٍ لجهودهم.

وكما ذكروا، فإنهم لا يُعرفون إلا عندما يقع الخطأ في تغريدة أو تصريح أو منشور، أو حتى خطأ من غيرهم، فتُلحق بهم الملامة بشكل أو بآخر، بل يُطلب منهم أحياناً ملاحقة الحسابات الإخبارية التي تعمل على تجزئة التصريحات والبيانات بهدف الإثارة تارة، أو نتيجة عدم الدقة تارة أخرى، فيقضي القائم بالإعلام يومه كاملاً في متابعة هذه الحسابات والتواصل معها لتعديل أو حذف محتوى، ويمتد عمله إلى منتصف الليل بين طلبات المسؤول وصعوبة المتابعة المستمرة لحسابات تنشر ما لا تعرف كما يُقال.

هذا الواقع يتطلب إيجاد آليات عمل أكثر تنظيماً، مثل نظام المناوبات وزيادة عدد الموظفين في دوائر الإعلام، تجنباً للإرهاق المتزايد الذي يتعرض له زملاؤنا في هذا الحقل، خاصة في ظل التحول الكبير الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي، والتي جعلت العمل الإعلامي عملاً مستمراً لا يتوقف عند نهاية الدوام الرسمي، بل يمتد إلى متابعة لحظية على مدار الساعة.

فالإعلام كما يقال: أخطاؤه مكشوفة للجميع، بينما الأخطاء الفنية والإدارية الأخرى لا يراها إلا عدد محدود جداً من المتابعين، ولهذا فإن أي خطأ إعلامي - حتى حرف واحد - قد يغير المعنى بالكامل، وبالتالي فإنّ الدقة فيه ضرورة لا تتحقق إلا بالتفرغ والعمل الجماعي والمراجعة الدقيقة للمعلومات من عدة مستويات قبل النشر.

وفي الواقع، فإن أي محتوى إعلامي أو تغريدة تمر عادة بعدة مراحل عمل تشمل الكاتب، والمدقق، والمترجم، والمصمم، ثم تُعرض على المسؤول للاطلاع، وهذا الجهد بحد ذاته إدارة مرهقة قبل أن يكون محتوىً منشوراً، وهنا تكمن البراعة في اختزال المعنى في أقل عدد من الكلمات، وهو أمر بالغ الصعوبة بطبيعته، ومن الطبيعي أن يقع الخطأ أحياناً رغم كل هذه المراحل.

لكن لا ينبغي أن تسبق الملامة الشكر، ولا أن يُنسى العطاء بسبب زلة تحريرية عابرة.

ومن التجارب الصحفية المعروفة أن الخطأ قد يكون أمام العين ولا يُلاحظ، مصداقاً لقوله تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" وهذا دليل على أن الخطأ أحياناً يمر دون ملاحظة، وتختلف القراءات وتتزايد الانتقادات بناءً على تفسير الآخرين، وفي نهاية المطاف قد تؤخذ ملاحظة من شخص غير مختص وكأنها خطأ مهني يستوجب اللوم.

ولا شك أن العمل الإعلامي بحد ذاته عمل مُضنٍ للغاية، ليس إرهاقاً جسدياً بقدر ما هو إرهاق نفسي وذهني بدرجة كبيرة، يتطلب تركيزاً عالياً وقدرة مستمرة على المتابعة والتحليل والاستجابة السريعة، خاصة مع تعدد المنصات الرقمية وتسارع النشر اللحظي، الأمر الذي جعل الإعلام المؤسسي اليوم جزءاً أساسياً من منظومة إدارة السمعة المؤسسية وإدارة المخاطر، ولم يعد مجرد وظيفة مساندة أو نشاطاً تنفيذياً كما كان يُنظر إليه سابقاً.

ففي كثير من المؤسسات الكبرى إقليمياً ودولياً تعمل إدارات الإعلام وفق نظام الورديات، ويكون لكل منصة فريق متابعة منفصل، كما توجد وحدات للرصد الإعلامي تعمل على مدار الساعة؛ لأن سرعة الاستجابة أصبحت جزءاً من إدارة المخاطر المؤسسية، وهو ما يؤكد أن الاستثمار في الكوادر الإعلامية لم يعد ترفاً إدارياً، بل ضرورة تنظيمية لضمان جودة الرسالة المؤسسية ودقتها.

كما أنّ استمرار العمل الإعلامي لساعات طويلة دون تنظيم ورديات لا يؤثر فقط على الموظف، بل ينعكس مباشرة على جودة المحتوى ودقة الرسائل، وهو ما يجعل الاستثمار في فرق الإعلام استثماراً في جودة القرار المؤسسي نفسه؛ لأن الرسالة الإعلامية اليوم أصبحت مرتبطة بصورة المؤسسة وثقة المجتمع والمستثمرين والشركاء الاستراتيجيين بها.

واليوم نحن أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بكيفية تطوير الإعلام المؤسسي وتحديثه ومواكبته دون الاستثمار فيه وفي كوادره الوطنية، وكأننا ننفخ في قربة مقطوعة كما يقال، فلا يمكن أن نطالب بالتطوير دون توفير أدواته، ولا أن نطمح إلى إعلام مؤثر دون تمكين العاملين فيه وتهيئة بيئة عمل مناسبة تساعدهم على أداء دورهم بكفاءة واستقرار.

فالإعلام بكل مسمياته لم يعد عملاً مسانداً، بل أصبح استثماراً في السمعة المؤسسية، وفي الثقة العامة، وفي صورة الدولة والجهة والشركة أمام المجتمع، كما أصبح أحد أدوات إدارة المخاطر المؤسسية في ظل سرعة تداول المعلومات واتساع نطاق التأثير الإعلامي.

لذلك فإن تطوير آليات العمل الإعلامي لم يعد خياراً، بل ضرورة تبدأ بالاعتراف بقيمة الإعلاميين، وتمر بتوفير بيئة عمل مناسبة لهم، وتنتهي بثقافة مؤسسية تضع الشكر قبل الملامة، والتقدير قبل المحاسبة؛ لأن التقدير المهني للإعلاميين لا يعني التغاضي عن الأخطاء، وإنما يعني بناء بيئة عمل تساعد على تقليلها وتحسين جودة العمل الإعلامي المؤسسي بشكل مستدام.

نأمل أن يتم تعديل آليات عملنا في الإعلام بحيث تكون أكثر قناعة بالرغبة في التطوير مع الاستثمار وتهيئة الكوادر الوطنية لهذا الدور؛ وقبل كل شيء الشكر قبل الملامة لهم في أي أخطاء منهم أو من غيرهم.