سالم الحبسي يكتب: من كوكب اسمه الأرجنتين..!!

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٩/يوليو/٢٠٢٦ ١٤:٥٥ م
سالم الحبسي  يكتب: من كوكب اسمه الأرجنتين..!!
*رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي

حين قررت كرة القدم أن تكتب قصيدتها مرتين..!!

ليست الحكاية قصة لاعبين ارتديا الرقم عشرة، ولا هي مجرد سجلاتٍ من الأهداف والكؤوس. إنها قصة وطنٍ وجد في كرة القدم لغةً أخرى للتعبير عن ذاته، فأنجب للعالم أسطورتين جعلتا الملاعب تبدو أوسع من حدودها، والزمن أقل قدرة على احتواء العبقرية. بين دييغو مارادونا وليونيل ميسي، لا تبدو الأرجنتين وكأنها صدّرت نجمين، بل كأنها أعادت تعريف معنى الموهبة مرتين.

في أدب الأرجنتين، كما في روايات خورخي لويس بورخيس، تتشابك المتاهة مع القدر، وتختلط الحقيقة بالأسطورة. وعلى العشب الأخضر، بدا مارادونا وميسي وكأنهما خرجا من تلك الصفحات؛ الأول كان ثورةً تمشي على قدمين، والثاني قصيدةً لا تخطئ وزنها.

مارادونا لم يكن لاعبًا يراوغ خصمه فحسب، بل كان يراوغ المنطق نفسه. كانت الكرة تلتصق بقدمه كما لو أنها تعرف طريقها أكثر من المدافعين. في مونديال 1986 لم يقُد منتخبًا إلى اللقب فقط، بل منح الأرجنتين صورة خالدة عن الإرادة. عندما وصفه المدرب سيزار لويس مينوتي بأنه “أفضل من فهم العلاقة بين الإنسان والكرة”، لم يكن يبالغ، بل كان يصف مشهدًا رآه الملايين ولم يستطيعوا تفسيره.

ثم جاء ميسي، لا ليكون نسخةً من مارادونا، بل ليكتب فصلًا جديدًا من الرواية نفسها. لو كان مارادونا عاصفةً، فإن ميسي أشبه بنهرٍ هادئ يشق الصخور بصبرٍ لا ينتهي. لا يحتاج إلى الصراخ ليقود، ولا إلى الاستعراض ليقنع. يترك لقدمه اليسرى مهمة الحديث، فتتكفل بما تعجز عنه الكلمات.

قال بيب غوارديولا ذات يوم إن ميسي “أفضل لاعب رأيته في حياتي، وربما لن أرى مثله مرة أخرى”. أما خورخي فالدانو، فقد وصف كرة ميسي بأنها “أكثر الأفكار نقاءً التي أنجبتها اللعبة”. وبين الشهادتين تختصر سنوات من التأمل في لاعب بدا كأنه يقرأ المباراة قبل أن تبدأ.

تكتيكيًا، جمع الرجلان بين ما يصعب اجتماعه. كلاهما لعب بين الخطوط، يستلم الكرة حيث تضيق المساحات، ثم يحول الزحام إلى فرصة. مارادونا كان يستخدم جسده القصير ومركز ثقله المنخفض ليقاوم الالتحامات العنيفة في زمنٍ أقل حمايةً للمهاجمين، بينما جعل ميسي من التوقيت والزاوية ولمسة الكرة الأولى علمًا قائمًا بذاته. كانت المراوغة عندهما وسيلة لصناعة التفوق العددي، لا مجرد استعراضٍ فردي.

داخل الملعب، امتلك كل منهما كاريزما مختلفة. مارادونا كان يشعل رفاقه بالنار، وميسي يقودهم بالطمأنينة. أحدهما يخاطب العاطفة، والآخر يخاطب الثقة. لكن النتيجة كانت واحدة: كل لاعب بجوارهما شعر أن المستحيل صار أقرب.

وخارج الملعب، عاش كلٌ منهما حياةً مختلفة تمامًا. مارادونا حمل أعباء الشهرة بصخبها وتقلباتها، بينما اختار ميسي خصوصيةً أكبر ومسارًا أكثر هدوءًا. ومع ذلك، بقي الاثنان رمزًا يتجاوز حدود كرة القدم، لأن الجماهير لم تر فيهما مجرد لاعبين، بل مرآةً للأمل، والانتماء، والإصرار على الحلم.

ربما كان أعظم ما يجمعهما أنهما لم يكتفيا بالفوز. لقد منحا الناس سببًا ليقعوا في حب اللعبة مرةً بعد أخرى. جعلانا نصدق أن الكرة ليست مجرد منافسة على النقاط، بل فنٌ قادر على إيقاف الزمن لثوانٍ، حتى ينهض المتفرج من مقعده قبل أن تدخل الكرة الشباك، لأنه أدرك أن شيئًا استثنائيًا قد حدث.

ولهذا، حين يقال إن مارادونا وميسي من كوكبٍ آخر، فالمقصود ليس أنهما خارج حدود البشر، بل لأنهما وسّعا حدود الممكن في كرة القدم. كلاهما حمل الرقم عشرة، لكن الأهم أنهما حملا الأرجنتين على كتفيهما، وتركا للعالم إرثًا لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بتلك اللحظات النادرة التي جعلت اللعبة تبدو أقرب إلى الشعر منها إلى الرياضة.