
في الوقت الذي تتجه فيه دوائر الإعلام في الوزارات والجهات الحكومية إلى مضاعفة جهودها الإعلامية لعكس ما تبذله الأجهزة الحكومية من أعمال في مجالات التنمية المختلفة والخدمات التي تقدمها، إلا أن هذه الدوائر تعاني في المقابل من ضآلة الإمكانيات المخصصة للأعمال الإعلامية بمختلف أنواعها، الأمر الذي يجعلها عاجزة عن الإيفاء بالمتطلبات، والعمل بإمكانات لا تلامس الطموحات والتطلعات. وهو ما يستدعي من الجهات الحكومية مضاعفة الميزانيات المخصصة للإعلام، باعتباره جزءًا أساسيًا من خطط تطوير الأداء الحكومي، خاصة أن الإعلام اليوم أصبح صناعة متكاملة تحتاج إلى إمكانيات كبيرة تواكب تطورات الإعلام الحديث، وما يتطلبه من إنفاق للوصول إلى مختلف الفئات المستهدفة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
ولا شك أن الحكومة بحاجة ماسة إلى تعزيز ما يسمى بالعلاقات العامة، باعتبارها الجهة المعنية بإدارة السمعة المؤسسية من خلال تكامل الأدوار بين مختلف الجهات الحكومية، وتوجيه العمل الإعلامي وفق مؤشرات أداء مؤسسية، شأنه شأن بقية مجالات الأداء الحكومي التي تسعى إلى رفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة. إلا أن دوائر الإعلام هذه تحتاج إلى كوادر إعلامية كافية لإدارة العمل، أو إلى ميزانيات تمكّنها من الاستعانة ببيوت الخبرة والشركات الإعلامية المتخصصة لتقديم الخدمات. وإلا سيبقى الواقع على حاله دون تغيير، وسيكون الخاسر الأكبر هو الحكومة، نتيجة عدم عكس جهودها بالصورة المأمولة، وعدم تعزيز صورتها الذهنية، ليس بسبب غياب الإنجازات، وإنما بسبب ضعف العمل الإعلامي، وغياب تكامله، وعدم اكتمال أدواته، وبالتالي تراجع أثره وتأثيره.
ويعمل الإعلاميون في هذه الدوائر على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع لإدارة المحتوى الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى إن كثيرًا منهم يكاد يفتقد الحياة الاجتماعية مع أسرته وأصدقائه، لانشغاله المستمر بمتابعة منشور، أو تعديل تغريدة، أو تصحيح خطأ في منصة إخبارية، أو مراجعة مادة إعلامية قبل نشرها. وهكذا تمضي أيامهم في أعمال تشغيلية متواصلة لا تترك لهم مساحة للتخطيط أو التفكير في تطوير العمل الإعلامي. فهم يعملون كآلة وماكينة لا تتوقف، في ظل ظروف تجعل أغلبهم، إن لم يكن جميعهم، يشعرون بالإحباط نتيجة ضعف الإمكانيات والموازنات التي تصنع الفارق الحقيقي في الأداء الإعلامي.
واليوم، أصبحت صناعة الفيديوهات، والموشن جرافيك، والأفلام، وغيرها من المنتجات الإعلامية، تتطلب ميزانيات تصل إلى آلاف الريالات، في حين أن مخصصات كثير من دوائر الإعلام لا تتجاوز بضعة آلاف من الريالات سنويًا، فكيف يمكن لهذه الدوائر أن تنهض بمهامها في ظل موازنات لا تفي بأبسط المتطلبات الإعلامية، وهو ما يوسع الفجوة بين الواقع والطموح.
وعندما نلاحظ أن مستوى الأداء الإعلامي الحكومي لا يواكب متطلبات التطور الإعلامي كمًّا وكيفًا، فلا ينبغي أن يتجه اللوم إلى القائمين على العمل الإعلامي بقدر ما ينبغي أن يتجه إلى ضرورة توفير البيئة المناسبة والإمكانات اللازمة التي تمكّن هذه الدوائر من أداء دورها في إبراز جهود الجهات الحكومية، وتعزيز الصورة الذهنية للحكومة ككل. فالعلاقات العامة تعتمد على منظومة إعلامية متكاملة تبدأ بالمنشور والإنفوجرافيك، مرورًا بالبيان والتقرير الإعلامي، وتنتهي بالفيديوهات والأفلام والحملات الإعلامية، وكل ذلك يحتاج إلى موارد وإمكانات مالية مناسبة.
ولا يمكن أن نطالب بإعلام حكومي مؤثر، في الوقت الذي لا نوفر له الحد الأدنى من الكوادر والإمكانات. فهذا التناقض تتحمل تبعاته دوائر الإعلام وحدها، بينما تتوافر الميزانيات لقطاعات ووحدات ومشروعات أخرى دون القيود نفسها.
وبالطبع، هناك تحظى بعض المؤسسات بموازنات إعلامية كبيرة مكّنتها من بناء حضور إعلامي مؤثر، وهو ما يبرز أهمية الاستثمار في الاتصال المؤسسي عندما تتوافر الموارد.
إن ما نأمله هو أن تعيد الجهات الحكومية النظر في متطلبات العمل الإعلامي والإمكانات المخصصة له، بما يحقق التوازن بين المسؤوليات والموارد، وإن بناء إعلام حكومي مؤثر لا يبدأ بمطالبة الإعلاميين بتحقيق نتائج أكبر، وإنما يبدأ بتمكينهم بالأدوات والموارد والكفاءات التي تجعلهم قادرين على تحويل الإنجازات الحكومية إلى رسائل تصل إلى المجتمع بفاعلية. فالإعلام اليوم لم يعد ترفًا، بل أصبح أحد مقومات نجاح المؤسسات وثقة المجتمع بها. وحتى لا نبقى ندور في حلقة مفرغة لا تتغير فيها النتائج مهما تعاظمت التوقعات.