زاهر الكويلي يكتب: تأجيل بدء العام الدراسي... قرارٌ ينعش السياحة ويمنح خريف ظفار امتدادًا اقتصاديًا واجتماعيًا أوسع

الأحد ١٩/يوليو/٢٠٢٦ ٠٩:٤٧ ص
زاهر الكويلي يكتب: تأجيل بدء العام الدراسي... قرارٌ ينعش السياحة ويمنح خريف ظفار امتدادًا اقتصاديًا واجتماعيًا أوسع

يُعد تحديد موعد بدء العام الدراسي من القرارات التي تتجاوز في آثارها حدود المؤسسات التعليمية، لتلامس جوانب اجتماعية واقتصادية وسياحية متعددة. ومن هذا المنطلق، فإن فكرة تأجيل بدء العام الدراسي لهذا العام تستحق الدراسة والنظر إليها من زاوية أوسع، خاصة في ظل تزامن العودة إلى المدارس مع الفترة الأخيرة من موسم خريف ظفار، الذي يمثل أحد أهم المواسم السياحية في سلطنة عُمان والمنطقة.

ولا تعني الدعوة إلى تأجيل الدراسة التقليل من أهمية التعليم أو المساس بالخطة الدراسية، وإنما تقوم على فكرة إعادة تنظيم التقويم الدراسي بما يحقق التوازن بين متطلبات العملية التعليمية والمصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياحية، مع إمكانية تعويض الأيام الدراسية من خلال آليات تنظيمية مناسبة تضمن استكمال المناهج وتحقيق الأهداف التعليمية.

يمثل موسم خريف ظفار حالة سياحية استثنائية، حيث تتحول محافظة ظفار خلال أشهر الخريف إلى وجهة تستقطب الزوار من مختلف محافظات سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون الخليجي ودول أخرى. وتتميز هذه الفترة بأجوائها المعتدلة وطبيعتها الخضراء وفعالياتها السياحية والثقافية والترفيهية، ما يجعلها موسمًا اقتصاديًا مهمًا لقطاعات واسعة، تشمل الفنادق والشقق الفندقية والمطاعم والمقاهي والأسواق والنقل وتأجير المركبات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

غير أن بدء العام الدراسي في وقت مبكر قد يدفع كثيرًا من الأسر إلى إنهاء إجازاتها والعودة إلى مناطق سكنها قبل انتهاء الموسم السياحي فعليًا، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الحركة السياحية في مرحلة لا تزال فيها ظفار قادرة على استقبال المزيد من الزوار. ولذلك، فإن تأجيل بدء الدراسة لفترة مدروسة قد يمنح الأسر فرصة أكبر للاستفادة من الموسم، ويسهم في تمديد فترة الإقامة السياحية وزيادة الإنفاق في الأسواق والمنشآت والخدمات المحلية.

كما أن الفائدة لا تقتصر على محافظة ظفار وحدها، بل تمتد إلى قطاع السياحة الداخلية في مختلف محافظات سلطنة عُمان. فالإجازة الأطول نسبيًا قد تشجع الأسر على زيارة الوجهات السياحية المختلفة، وتنشيط حركة الفنادق والمنتجعات والمطاعم والأسواق والمواقع الطبيعية والثقافية، بما يعزز مفهوم السياحة الداخلية ويزيد من مساهمة القطاع السياحي في الاقتصاد الوطني.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن كل يوم إضافي في الموسم السياحي يمكن أن يمثل فرصة لزيادة النشاط التجاري وتحقيق عوائد إضافية لأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأسر المنتجة والعاملين في الأنشطة الموسمية. وفي خريف ظفار تحديدًا، ترتبط أعمال كثيرة بالموسم، ولذلك فإن تمديد الحركة السياحية قد يمنح هذه الأنشطة فترة أطول للعمل والإنتاج وتحقيق الدخل.

كذلك يمكن أن يسهم تأجيل بدء الدراسة في تخفيف الضغط الناتج عن العودة الجماعية للأسر في فترة زمنية قصيرة، خاصة مع حركة السفر البري والجوي الكبيرة من وإلى محافظة ظفار. ومن خلال تنظيم موعد العودة الدراسية بصورة مدروسة، قد يصبح انتقال الأسر أكثر مرونة، مع منح الزوار فرصة أفضل لترتيب رحلات العودة دون استعجال.

وفي المقابل، فإن أي قرار يتعلق بالتقويم الدراسي ينبغي أن يخضع لدراسة متكاملة تراعي عدد أيام الدراسة، والامتحانات، والخطط التعليمية، وظروف الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور. فالتعليم أولوية وطنية لا يمكن المساس بجودتها، لكن المرونة في تنظيم التقويم الدراسي قد تفتح المجال لتحقيق فوائد متعددة دون الإضرار بالتحصيل العلمي، خاصة إذا تم تعويض فترة التأجيل بطريقة مدروسة.

إن الربط بين التقويم الدراسي والمواسم السياحية ليس دعوة إلى تقديم السياحة على التعليم، وإنما هو دعوة إلى التفكير في كيفية تحقيق التكامل بين القطاعات المختلفة. فالدولة الحديثة تقوم على التنسيق بين التعليم والسياحة والاقتصاد والنقل والخدمات، بحيث تسهم القرارات العامة في تحقيق أكبر قدر ممكن من المنفعة للمجتمع والاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن دراسة إمكانية تأجيل بدء العام الدراسي لهذا العام، بما يتناسب مع نهاية موسم خريف ظفار، قد تمثل خطوة إيجابية إذا ثبتت جدواها التعليمية والاجتماعية والاقتصادية. فقد يمنح ذلك الموسم السياحي امتدادًا أكبر، ويشجع السياحة الداخلية، ويدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وينشط الحركة التجارية، ويتيح للأسر فرصة أوسع للاستفادة من إحدى أجمل الوجهات السياحية في المنطقة.

وفي ظل توجه سلطنة عُمان نحو تنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانة القطاع السياحي، فإن من المهم النظر إلى المواسم السياحية بوصفها فرصًا اقتصادية وطنية تستحق التخطيط المتكامل. وخريف ظفار ليس مجرد موسم للترفيه، بل منظومة اقتصادية واجتماعية وسياحية متكاملة، ومنحها مساحة زمنية أوسع ــ متى ما أمكن ذلك دون التأثير في جودة التعليم ــ قد يحقق فوائد تتجاوز حدود المحافظة لتنعكس على الاقتصاد الوطني والمجتمع بصورة عامة.