بمناسبة الذكرى السابعة والخمسين لتوليه العرش يسرني أن أكتب عن قائد نهضة عمان، المعروف بـ"باني النهضة"، جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور. هذه عربون شكر وتقدير بسيط للسلطان، طيب الله ثراه، فقد عشنا في فترة عصبية قبل عهده. ولا يزال من الصعب علينا نسيان اليوم الذي انتقلنا فيه من الظلام إلى النور.
يمثل تاريخ 23 يوليو 1970 نقطة تحول حاسمة في تاريخ عُمان الحديث. فقبل هذا اليوم، كانت البلاد معزولة. لا تتجاوز شبكة طرقها المعبدة أربعة كيلومترات، ولا تضم سوى ثلاث مدارس. لم يكتف السلطان قابوس بجلب التكنولوجيا، بل جلب الأمل أيضًا. وكانت أولى أولوياته سد الفجوة بين المناطق الداخلية المعزولة والساحل. فأطلق حملة ضخمة لتطوير البنية التحتية، شملت بناء طرق عبر جبال الحجر الوعرة، وصولاً إلى كل قرية نائية ظلت منسية لقرون.
آمن السلطان قابوس بأن بناء الأمة يبدأ ببناء الفرد. وقد صرح قائلاً: "سنُعلم أبناءنا حتى تحت ظل الشجرة". لم يكن هذا مجرد وعد، بل أصبح حقيقة واقعة. ففي غضون عقد واحد، قفز عدد المدارس من ثلاث إلى مئات، وبحلول عام 1986، فتحت جامعة السلطان قابوس أبوابها لتخريج جيل جديد من القادة العمانيين. بالتزامن مع ذلك، شهدت عُمان ثورة في مجال الرعاية الصحية. فقد أنشئت مستشفيات حديثة كالمستشفى السلطاني، ووصلت العيادات المتنقلة إلى أعمق الوديان وأعلى الجبال، قاضيةً على أمراض كالملاريا، وموفرة رعاية صحية عالمية المستوى لكل مواطن عُماني.
بصفتي جنديًا في أوائل الستينيات، شهدت التحول الهائل الذي طرأ على القوات المسلحة في عهد السلطان قابوس. فقد حول الجيش من وحدات صغيرة متفرقة إلى قوة احترافية متطورة للغاية. وباستثماره في التكنولوجيا الحديثة وأفضل التدريبات، ضمن حماية السلام الذي بنيناه بدرع منيع. لم تكن هذه القوة العسكرية يومًا للعدوان، بل لحماية السيادة التي حققتها السلطنة. واليوم، ونحن نستذكر خمسين عامًا من حكمه، نرى أمة آمنة ومحترمة، ممتنة إلى الأبد للقائد الذي كرس حياته لكل شبر من أرض عُمان.
لم تقتصر رؤية السلطان قابوس على العاصمة مسقط فحسب. كان يؤمن بأن كل عُماني، سواء أكان يعيش على قمة جبلية شاهقة في شبه جزيرة مسندم أو في صحراء الوسطى الشاسعة، يستحق المستوى نفسه من المعيشة. ومن خلال جولاته السنوية الشهيرة، كان يجوب البلاد للقاء الناس في مدنهم وقراهم. وقد أدى هذا التواصل المباشر إلى إنشاء مشاريع "التنمية الإقليمية"، التي وفرت الطرق المعبدة ومحطات تحلية المياه والمدارس لأكثر المناطق عزلة. وحول التضاريس الوعرة إلى مجتمعات مزدهرة صالحة للسكن. وألا يُترك أي مواطن متخلفاً عن ركب التطور نحو العصر الحديث.
كان التسامح الديني والاعتدال الفكري من ركائز عهد السلطان قابوس. أنشأ مراكز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية لتعزيز فهم معتدل للدين، بعيدًا عن التطرف. جعل من عُمان نموذجًا يُحتذى به، حيث يعيش أتباع مختلف الأديان والمذاهب في وئام، وهو أمر نادر في العالم الحديث.
لم يكن المقياس الحقيقي لنجاح السلطان قابوس في حجارة وفولاذ المدن التي بناها فحسب، بل في الحب العميق والوحدة التي غرسها بين شعبه. وعندما وافته المنية في العاشر من يناير 2020، حزنت الأمة بأسرها كعائلة واحدة. ترك وراءه إرثًا من الاستقرار وانتقالا سلميًا للسلطة أذهل العالم. كان أبًا لكل عُماني، ومعلمًا لكل طالب، وقائدًا لكل جندي. تبقى ذكراه نورًا ساطعًا يُلهم مسيرتنا نحو التجديد، مُذكرًا إيانا بأن عظمة الأمة تكمن في كرامة مواطنيها وتعليمهم.
تجلت عظمة السلطان قابوس الحقيقية في لحظاته الأخيرة، في الانتقال السلمي والكريم الذي خططه للسلطة بدقة متناهية. في العاشر من يناير 2020، شاهد العالم بذهول كيف ودع العمانيون والدهم بالدموع والدعاء، لكنهم ظلوا متحدين وثابتين. لم يترك وراءه مجرد مبان وطرق، بل ترك "إرادة سياسية" ضمنت استقرار الدولة ووجهت الأمة نحو قائدها القادم. سلم الراية إلى جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور، واثقًا من أن الأساس الذي وضعه على مدى خمسين عامًا كان قويًا بما يكفي لدعم المستقبل. رحل السلطان قابوس، لكن روحه باقية في قلب كل عماني، كمهندس خالد لهويتنا
الحديثة.
تحت قيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، فجرنا أبدي، وتقدمنا لا يتوقف. سنظل دائماً أمة الجبال الوعرة، والبحار الممتدة، والمستقبل الزاهر. وبينما نمضي قدماً، نحمل معنا حكمة أجدادنا وشجاعة قادتنا. قصة عُمان ما زالت تُكتب، وأجمل فصولها هي تلك التي لم تأت بعد
(مقتبس من كتاب "فجر التقدم – 250 عامًا من مجد البوسعيديين" للمؤلف صادق بن محمد سعيد اللواتي).