
كتب - محمود محمد
في لقاء خاص شاركنا صانع المحتوى الحسن بن محمد رؤيته العميقة والشاملة حول كواليس العمل الرقمي في العصر الحالي، مستعرضاً أدق التفاصيل والنصائح الجوهرية التي يحتاجها جيل الشباب الصاعد لشق طريقه بثبات ونجاح وسط الزخم الإلكتروني الهائل والمنافسة الشرسة التي تشهدها كافة المنصات الرقمية اليوم. واستهل حديثه بالتأكيد على أن الخطأ الأكبر والأكثر شيوعاً الذي يقع فيه المبتدئون هو رهن طاقاتهم وانتظار اللحظة المثالية أو توفر الإمكانيات المادية واللوجستية الضخمة قبل البدء.
وأوضح الحسن بن محمد أن المحتوى الناجح والملهم يبدأ في الأساس من الفكرة المبتكرة والشغف الحقيقي المتاح لدى الشخص، مشيراً إلى أن الهاتف الذكي البسيط الموجود في جيب كل منا اليوم كافٍ تماماً لإطلاق أولى الرسائل ومشاركتها مع العالم، بينما تأتي المعدات الاحترافية، وتطوير أدوات الإضاءة، وهندسة الصوت كمرحلة تالية تأتي تباعاً مع كسب الخبرة، والممارسة العملية، والتطور التدريجي في فهم متطلبات الجمهور.
وانتقل بعد ذلك للحديث باستفاضة عن أهمية التميز وصناعة الهوية الشخصية، حيث شدد الحسن بن محمد على أن فضاء الإنترنت بات مزدحماً بالنسخ المتكررة والأفكار المستنسخة التي لا تبقي ولا تذر، والوحيد الذي يلفت الأنظار ويجبر المشاهد على التوقف هو من يجرؤ على تقديم ذاته وهويته الحقيقية بعفوية تامة ودون أي تصنع أو تقليد أعمى، لأن الجمهور المعاصر يمتلك ذكاءً فطرياً وحساً نقدياً عالياً يستطيع من خلاله كشف المحتوى المزيف أو المصطنع في ثوانٍ معدودة، مؤكداً أن الأصالة والصدق هما المفتاح السحري والوحيد لبناء علاقة ثقة متينة ومستدامة مع المتابعين على المدى الطويل.
كما ركز بشكل مكثف على ضرورة احترام وعي وعقلية المشاهد، معتبراً أن الدقائق الثمينة التي يمنحها المتابع من وقته ويقضيها في مشاهدة أي مقطع فيديو هي أمانة غالية ومسؤولية كبيرة تقع على عاتق صانع المحتوى، ولابد أن يقابل هذا الوقت محتوى يحمل في طياته قيمة مضافة حقيقية وملموسة، سواء كانت هذه القيمة معرفية تثري عقله، أو توعوية تفتح مداركه، أو حتى ترفيهية راقية وهادفة تروح عن نفسه، وذلك لتجنب السقوط في فخ الانتشار اللحظي المزيف الذي يزول سريعاً بزوال "التريند" الهابط، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء إرث رقمي محترم يعيش لسنوات.
ولم يغفل الحسن بن محمد الجانب النفسي والذهني الصعب في هذه الرحلة الرقمية، موضحاً أن التذبذب المستمر في نسب المشاهدات والتغييرات المفاجئة والدائمة في خوارزميات المنصات المختلفة تتطلب من الشخص بناء صلابة نفسية وجدار حماية داخلي قوي جداً، بحيث يتعلم كيف يفصل بين قيمته الشخصية ومستوى حماسه لعمله، وبين أرقام الإعجابات والتفاعل اليومي التي تصعد وتهبط لأسباب تقنية بحتة، معتبراً أن فهم هذا التذبذب الطبيعي والتعامل معه بمرونة هو الحصن الذي يحمي المبدع من الإحباط والوقوع في فخ الاحتراق المهني والنفسي.
وفي ختام حديثه الشيق، وجه الحسن بن محمد رسالة حاسمة أكد فيها أن الاستمرارية والالتزام الصارم بجدول نشر منظم ومنضبط، حتى وإن كان بمجهود بسيط وبسيط للغاية، يتفوق بمراحل ضوئية على الموهبة الكبيرة لكن المتطوعة أو المنقطعة، فصناعة المحتوى في نهاية المطاف ليست سباقاً للمسافات القصيرة، بل هي ماراثون طويل النفس يحتاج إلى الصبر، والتطوير المستمر للذات، والإيمان المطلق بالرسالة والأثر المراد تركه في عقول وقلوب الناس للوصول إلى النجاح الحقيقي والصدارة المستحقة.