

بقلم : علي المطاعني
من أزمة لأخرى ومن مأزق إلى آخر، تواجه الحكومة على ما يبدو إشكالية في إدارة التغيير بشكل متوازن الأمر الذي يضعها تحت الضغوط المجتمعية مع كل قرار تتخذه بشأن معالجة الأوضاع الإقتصادية والمالية الراهنة ، وذلك نتيجة لوجود خلل واضح في إدارة التغيير لايتم التصدي له وفق أسس علمية يتطلبها هذا المنعطف الذي تنتقل فيه الدولة من مرحلة إلى أخرى، ويتطلب التعاطي معها النأي بعيدا عن العشوائية والبدائية في العمل وتهيئة المجتمع بدءا وقبل إتخاذ أي حزمة من القرارات الضاغطة على فئات المجتمع دفعة واحدة ، وذلك يتطلب إخضاع كل التغيرات التي ترغب الحكومة في إنزالها لأرض الواقع إلى دراسات ومسوحات وقياسات متعددة لتطبيق أي قرار أو توجه جديد ترغب الحكومة في إنتهاجه.
فالتعامل مع المجتمع في المرحلة الحالية ، يختلف كليا عن حقبة السبعينيات والثمانينيات التي ذهبت لحال سبيلها ، فالتحولات التي يشهدها مجتمعنا كغيره من المجتمعات لا يجب تجاهلها في أي تغيير قادم ، ولعل أزمة فواتير الكهرباء كانت آخر الأزمات التي لم تحسن الجهات المختصة معالجتها على مايبدو من كافة الجوانب إبتداء من تقدير قيمة رفع الدعم وتوضيح الدعم للفئات المستحقة ضمن نظام الحماية الإجتماعية مرورا بتوعية المستهلكين بالفارق في الفواتير (قبل وبعد رفع الدعم) وانتهاء بتطبيق التعرفة الجديدة في أشهر الصيف وهي قمة شهور الإستهلاك، في حين كان من المفترض تطبيقها شتاء.
كل هذه الإشكاليات وغيرها تعكس حقيقة أن إدارة التغيير في الدولة تحتاج إلى تغيير جذري في منهجية التعاطي مع الأزمات إن جاز التعبير من خلال دراسة القرارات التي يفترض إتخاذها وتجريبها وحتمية وكفاءة التهيئة الإعلامية لها.
الأمر الذي يفرض على الجهات الحكومية شحذ الوعي بماهية التغيير وكيفية إدارته وفق أفضل السبل الحديثة في إدارة التغيير في المجتمعات ودراسة الرأي العام بشكل دقيق قبل أي خطوة تخطوها من الآن وصاعدا.
ان الأخطاء التي وقعت فيها إدارة التغيير في الفترة الفائتة قد أدى إلى التدخل لوقف أو تعديل بعض الجوانب تلافيا لما قد ينتج عنها من تداعيات إجتماعية وتخفيف حدة الإحتقان في المجتمع ، فضلا عن أن إثارة الرأي العام له تأثيراته على صورة البلاد لدى المجتمع الدولي وهذه لها ضريبتها الخاصة ، ناهيك من تداعيات البلبلة التي تثيرها التغيرات غير المدروسة على الجوانب الأمنية في البلاد التي لا يمكن إغفالها في ظل هذه التراكمات الواحدة تلو الأخرى والتي بدأت بإفراز ظواهر ترفض العيش بالبلاد وتنادي بالهجرة ، أو عبر تنامي ظواهر الإلحاد وغيرها من المشكلات التي يتطلب الوقوف عليها وعندها ومن كل الجوانب.
بل أن هذه الاشكاليات في إدارة التغيير ستلقي بظلال لها قاتمة على برامج الحكومة في إحداث التوازن الإقتصادي والمالي وغيرها من التوجهات التي ترغب في إحداثها في الفترة المقبلة، بل سيجعلها تتردد إزاء تطبيق أي نظام أو برنامج أو تعديلات في الرسوم والضرائب وهو موقف له انعكاساته في الوصول إلى المعادلة المطلوبة وفق البرنامج الزمني الموضوع والمرصود.
من المفارقات أن بعض القرارات التي تتخذ تكون دوافعها نرجسية وتروم تسجيل إنجاز في جهة ما وفي فترة وجيزة لتحصد التصفيق المتعجل، بدون مراعاة للجوانب الأخرى أو التهيئة الكافية للمجتمع أو إعطاء الحكومة نفسها صورة واضحة عن الجوانب الإيجابية والسلبية لأي توجه أو قرار مما يضع الحكومة بأكملها في حرج لا تحمد عقباه كما حدث في الفترات الفائتة.
كذلك ليس من الحصافة والحكمة في إدارة التغيير في أي دولة إصدار التوجهات والقرارات التي تمس اللحم اللحي على هيئة سياط متتالية الواحد بعد الآخر، فكان على الجهات أن تعي حقيقة أن الأنتقال من مرحلة إلى أخرى يحتاج لتكتيكات وإستراتيجيات وخطط معينة ودقيقة تضبط إيقاع الأمور بشكل أفضل يوازن بين الإيجابية والسلبية ويراعي المدى الزمني بين قرار وآخر.
الأمر الآخر التي تفتقده إدارة التغيير هو الإتجاه نحو الضغط على الشرائح المجتمعية المتوسطة من فئات ذوي الدخل المحدود ، تاركة الفئات الثرية أو القادرة وهو ما أوجد حالة عدم الرضا لهذا التعاطي والتعليق عليها سلبا.
بالطبع الأوضاع الإقتصادية المحلية والإقليمية والعالمية تفرض نفسها بقوة على الجهات المختصة ، لكن ذلك لا يمنع من إدارة وإحداث التغيير بشكل يتلائم مع هذه التغيرات وتهيئة المجتمع بشكل أفضل تجنيا لإحداث فجوة غير مرغوب فيها بين الحكومة والمجتمع.
نأمل أن تاخذ إدارة التغيير في الإعتبار ماهية التغيير اصلا ، وكيفية التعامل معه وإستحضار متطلباته وإدارته بكفاءة عالية ، هي خطوات ستخفف حتما من تراكماته السلبية وتبدد حالة الإحتقان التي تنتاب المجتمع مع كل تغيير لا يخضع للدراسات الكافية واللازمة.