زاهر ناصر حمد الكويلي يكتب: قرار يحتاج إلى إعادة نظر.. منع طلبة الجامعات من التأهيل التربوي بين المبررات والنتائج

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢١/يوليو/٢٠٢٦ ١٩:٠٢ م
زاهر ناصر حمد الكويلي يكتب: قرار يحتاج إلى إعادة نظر.. منع طلبة الجامعات من التأهيل التربوي بين المبررات والنتائج

تُعد برامج التأهيل التربوي إحدى الركائز الأساسية لإعداد المعلمين وتأهيلهم علميًا ومهنيًا قبل دخولهم الميدان التربوي، فهي تمثل الجسر الذي يربط بين التخصص الأكاديمي ومهارات التدريس والتعامل مع البيئة التعليمية. ومن هذا المنطلق، أثار قرار منع الطلبة الملتحقين بالجامعات من الالتحاق ببرامج التأهيل التربوي العديد من التساؤلات حول مدى تأثيره في مستقبل الخريجين، ومدى انسجامه مع أهداف تطوير التعليم والاستثمار في الكفاءات الوطنية.

قد تستند الجهات المعنية في إصدار هذا القرار إلى مبررات تنظيمية، كإعادة هيكلة برامج إعداد المعلمين، أو مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، أو تنظيم أعداد الملتحقين ببرامج التأهيل بما يتناسب مع الفرص الوظيفية المتاحة. وهي أهداف مشروعة إذا كانت مدعومة بدراسات واضحة وخطط معلنة.

إلا أن الجانب الآخر من القضية يتمثل في انعكاسات القرار على الطلبة الذين اختاروا مساراتهم الجامعية على أساس إمكانية الالتحاق بالتأهيل التربوي بعد التخرج. فهؤلاء استثمروا سنوات من عمرهم وجهدهم وأموالهم في سبيل الحصول على مؤهلات جامعية، ليجدوا أنفسهم أمام تغيير قد يؤثر في خياراتهم المهنية ومستقبلهم الوظيفي.

كما أن غياب فترات انتقالية أو حلول بديلة قد يضع بعض الطلبة في موقف صعب، خاصة إذا لم تكن هناك مسارات أخرى تمكنهم من اكتساب التأهيل المطلوب لممارسة مهنة التعليم. ومن هنا تبرز أهمية مراعاة مبدأ الاستقرار التشريعي والإداري، بحيث لا تؤثر التغييرات الجديدة سلبًا في من بدأوا دراستهم وفق أنظمة وسياسات كانت قائمة عند التحاقهم بالجامعة.

ومن منظور وطني، فإن الاستثمار في الكفاءات البشرية يتطلب توفير فرص عادلة للاستفادة من المؤهلات العلمية، مع المحافظة على جودة مخرجات التعليم. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تطوير برامج التأهيل التربوي بدلاً من إغلاقها أمام فئات من الطلبة، أو إيجاد برامج بديلة تحقق الأهداف ذاتها دون الإضرار بحقوق الدارسين.

كما أن فتح قنوات للحوار مع الجامعات والطلبة والجهات المختصة من شأنه أن يسهم في الوصول إلى حلول متوازنة تراعي متطلبات تطوير المنظومة التعليمية، وتحافظ في الوقت نفسه على الثقة بين الطالب والمؤسسات التعليمية، وهي ثقة تُعد عنصرًا أساسيًا في نجاح أي سياسة تعليمية.

إن مراجعة القرارات التعليمية بصورة دورية ليست تراجعًا عنها، بل هي ممارسة مؤسسية تعكس الحرص على تقييم آثارها والاستماع إلى مختلف وجهات النظر. فالسياسات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تحقق التوازن بين التنظيم الإداري، وحماية حقوق الطلبة، والاستجابة لاحتياجات التنمية الوطنية.

وفي النهاية، يبقى الهدف المشترك هو بناء منظومة تعليمية قادرة على إعداد معلمين مؤهلين، وفي الوقت ذاته توفير بيئة تعليمية عادلة تمنح الطلبة الوضوح والاستقرار في مساراتهم الأكاديمية والمهنية. وإذا تبين أن للقرار آثارًا غير مقصودة على شريحة من الدارسين، فإن إعادة النظر فيه أو وضع حلول انتقالية مناسبة سيكون خطوة تعزز الثقة وتحقق المصلحة العامة، بما يخدم مستقبل التعليم والوطن.