الشرق الأوسط ومواجهة خطرة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٣٠/أكتوبر/٢٠١٩ ١٣:٠٠ م
الشرق الأوسط ومواجهة خطرة

يوشكا فيشر

في الشرق الأوسط القديم، كان للنزاع الشامل الوحيد ــ بين إسرائيل والدول العربية ــ جبهات عديدة، وكان الغرب يملك الحق المكتسب القصري لحماية تدفق النفط إلى الاقتصاد العالمي. وفي الشرق الأوسط الجديد، أصبح الصراع الأساسي متمثلا في النزاع على الحدود بين قوى متعددة تسعى إلى فرض تفوقها الإقليمي.اندلع هذا الصراع الجديد عندما بدأ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الانسحاب الأميركي الأوسع من المنطقة، والذي ازداد كثافة في عهد دونالد ترمب. كان أوباما يحمل رؤية سياسية للمنطقة على الأقل. فبعد أن تمكن اتفاق إيران النووي لعام 2015 من إحباط سباق تسلح نووي، كان أوباما يأمل أن يفضي تخفيف العقوبات والنمو الاقتصادي الأسرع إلى السماح بإعادة إدماج إيران تدريجيا في المجتمع الدولي على مدار العقد المقبل. على النقيض من سلفه، لا يملك ترمب أي استراتيجية، ويريد تمويه انسحاب أميركا من المنطقة، والذي يتجسد في سوريا حاليا في الخيانة الصريحة للأكراد، بالاستعانة بالخطابة العسكرية وصادرات الأسلحة الضخمة إلى شركاء الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

من جانبها، كانت المملكة العربية السعودية، القوة الثرية في المنطقة (إذا استبعدنا تركيا) تُضمِر منذ فترة طويلة طموحات الهيمنة الإقليمية ــ على الأقل في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية ــ وتنظر إلى إيران على أنها المنافس الرئيسية. وعلى مدار السنوات القليلة الفائتة، شنت إيران والمملكة العربية السعودية حروبا بالوكالة في اليمن، والتي أسفرت عن خسائر فادحة بين المدنيين فضلا عن كارثة إنسانية.

لكن الوضع تغير في الشهر الفائت، عندما أرسل هجوم ليلي استهدف قلب صناعة النفط السعودية موجات صدمة قوية في جسد الاقتصاد العالمي. فقد تمكنت عدة طائرات بدون طيار من العبور إلى المجال الجوي السعودي دون أن تكتشف، حيث شنت هجمات دقيقة على منشآت نفطية رئيسية. ويبدو أن الدفاعات الجوية السعودية ــ إن وجدت ــ كانت في سبات عميق، مما يشير إلى أن المهاجمين كانوا على دراية تامة بالظروف المحلية.

يثير هجوم منتصف الليل الذي لم يسبقه أي إنذار تساؤلات واضحة. من فعل ذلك، وكيف تمكن من إنجازه بهذه الدقة؟ أعلن انصار الله «الذين تدعمهم إيران» مسؤوليتهم عن الهجمات، لكنهم ليسوا في وضع يسمح لهم بتنفيذ مثل هذا الهجوم. فنظرا للتكنولوجيا المستخدمة والتدابير اللوجستية اللازمة لتنفيذ الهجوم، تبدو إيران المشتبه به الوحيد، على الرغم من نفي الحكومة الإيرانية الشديد لضلوعها في الأمر. ومن منظور الدافع والمصلحة، يتبين لنا بوضوح أن إيران هي المستفيد الأكبر من الضربة.

في التحليل النهائي، يكاد يكون من المؤكد أن المسؤولية عن الهجوم على المملكة العربية السعودية تقع على عاتق قاسم سليماني، الجنرال الذي يقود وحدة العمليات الخارجية التابعة لفيلق الحرس الثوري الإيراني. وبهذا الهجوم، أثبتت إيران ذاتها كقوة إقليمية كبرى تتمتع بقدرات فنية ولوجستية مبهرة ولا يمكن إحباطها بسهولة. وربما يغير هذا بشكل جوهري الحسابات الاستراتيجية في المنطقة. فلا شك أن جميع ممالك النفط الواقعة على الجانب العربي من الخليج تعيد الآن تقييم آفاق السياسة الخارجية، ومصالحها، وولاءاتها.

الواقع أن إيران جعلت ترمب أيضا يبدو ضعيفا. ففي أعقاب رفضه الرد عسكريا على الهجوم على حليف إقليمي عزيز، أقال ترمب مستشاره للأمن الوطني جون بولتون، عدو النظام الإيراني الرئيسي. لا ينبغي لأحد أن يذرف أي دمعة حزنا على بولتون. ولكن لا يستطيع أحد أن يستبعد احتمالا مفاده أن طرد بولتون ربما كان بمثابة الدعوة لشن هذا الهجوم.

يبدو أن سياسة ترمب الخارجية التي تتسم بممارسات الهواة ــ استخدامه للخطابة العسكرية المنمقة لإخفاء افتقاره إلى أي خيارات أو استراتيجية معقولة ــ لعبت دورا حاسما في جلب الوضع الحالي. وقد أثبت القرار الذي اتخذه ترمب بالتخلي عن الاتفاق النووي مع إيران دون تفكير في العواقب التي قد تترتب على ذلك كونه قرارا بالغ الحماقة وسوف تكون عواقبه بالغة الخطورة.

ولكن هناك ديناميكية أخرى يجب مراعاتها. فبعد قمة مجموعة الدول السبع التي استضافتها مدينة بياريتز في فرنسا في أواخر شهر أغسطس، سمعنا أحاديث حول اجتماع محتمل بين ترمب والرئيس الإيراني حسن روحاني. ثم جاء الهجوم على منشآت النفط السعودية بعد أسابيع فقط، وقبل وقت قصير من تواجد الزعيمين في مدينة نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث كان من الممكن أن يلتقيا. السؤال إذا هو ما إذا كان الهجوم نتاجا لصراع داخلي أوسع على السلطة بين المتطرفين والمعتدلين في إيران.

في كل الأحوال، مع التحديات التي تواجهها المملكة العربية السعودية بالفعل، فإن القوتين العسكريتين الحقيقيتين المتبقيتين في المنطقة هما إسرائيل وإيران. وبالفعل، يبدو أن الدولتين تتجهان نحو مواجهة بالغة الخطورة. إذ تشعر إسرائيل بقلق عميق إزاء قدرة إيران الواضحة على شن هجمات دقيقة بعيدة المدى باستخدام طائرات بدون طيار أو صواريخ بالستيكية/كروز. وإذا لم يكن هذا يشكل بالفعل تهديدا كبيرا لأمن إسرائيل الوطني، فإن إيران ربما تحاول تزويد حزب الله أو غيره من وكلائها في المنطقة بقدرات مماثلة.

إذا هوجمت إسرائيل بنفس القدر من دقة الضربة التي تلقتها المملكة العربية السعودية وتطورها التكنولوجي، فقد ينزلق الشرق الأوسط إلى حرب على نطاق لم يشهد له مثيلا حتى الآن. من المحزن (وإن كان مفرحا للرئيس الروسي فلاديمير بوتن)، أن هذا هو واقع العالم الذي تخلت فيه الولايات المتحدة عن أي مظهر من مظاهر الزعامة العالمية.

وزير خارجية ألمانيا ونائبا لمستشارها في الفترة من 1998 إلى 2005