x

أتعاب المحاماة بين العدالة والتجارة

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٨/أبريل/٢٠٢١ ٠٨:٣٠ ص
أتعاب المحاماة بين العدالة والتجارة


بقلم : علي المطاعني

في ظل الأوضاع الإقتصادية والمالية وتأثيراتها على شرائح واسعة من المجتمع وماينتج عنه من تزايد في القضايا والنزاعات كإنعكاس طبيعي لما نحن فيه كغيرنا من الدول، تزدهر أعمال المحاماة والشؤون القانونية بشكل كبير، وهو ما يفرض إعادة النظر في تقنين أتعاب المحاماة وفقا لطبيعة القضايا وأنواعها كغيرها من الخدمات ووضع تعريفات تحمي المجتمع من المغالاة في أتعاب المحاماة.

الأمر الذي يتطلب من الجهات المختصة كوزارة العدل والشؤون القانونية ومجلس الشؤون الإدارية للقضاء وجمعية المحامين العُمانية الجلوس معا لتدارس الوضع من كافة جوانبه دراسة مستفيضة والخروج بحلول وسط ترضى أطراف المعادلة المتقاضين والمحامين معا، وتضمن في ذات الوقت إستقرار ساحات القضاء، ومن ثم الوصول لتقدير أتعاب إسترشادية لأعمال المحاماة تمكن أفراد المجتمع من الوقوف عليها وقبل المضي قدما في توكيل محام في أي من الدعاوى التي ينوون رفعها وقبل الإقدام على الخطوة تجنبا لأي خلاف مستقبلي أثناء سير الدعوى، وخلاف في منتصف الطريق قد يؤثر سلبا على الدعوى المرفوعة والجاري تداولها أمام منصة القضاء.

وفي مطلق الأحوال يتعين الإشارة إلى منطوق المادة 46 من قانون المحاماة العُماني الصادر بالمرسوم السلطاني السامي رقم: 108/‏1996 التي تنص على:

للمحامي الحق في تقاضي أتعاب ما يقوم به من أعمال المحاماة واسترداد ما أنفقه من مصروفات في سبيل مباشرة الأعمال التي وكل فيها ويتقاضى المحامي أتعابه طبقا للعقد المحرر بينه وبين موكله، وإذا تفرع عن الدعوى موضوع الاتفاق دعاوي أو أعمال أخرى جاز للمحامي أن يطالب بأتعابه عنها وفقا للنص المادة 49 من هذا القانون التي تنص على:

إذا وقع خلاف بين المحامي وموكله بشأن تحديد الأتعاب جاز لكل منهما أن يتقدم إلى لجنة المحامين بطلب لحسم الخلاف ويعرض هذا الطلب على لجنة فرعية تشكلها لجنة قبول المحامين من ثلاثة من أعضائها وتخطر الطرف الآخر بالحضور أمامها لإبداء وجهة نظره.

وكما يقال مصائب قوم عند قوم فوائد مثل ينطبق على ما نحن بصدده في هذه الظروف الإستثنائية التي تزداد فيها الدعاوى المرفوعة أمام المحاكم كنتيجة طبيعية للأوضاع الإقتصادية سواء العمالية أو التجارية والشيكات وغيرها من القضايا، وفي ظل هذا الواقع نجد بأن هناك مغالاة من (بعض) المحامين في تقدير أتعابهم، ويتم بالطبع إيهام المدعين وهم أناس عاديون لاعلم لهم بالأبعاد القانونية لدعاواهم فيتم تصوير الدعوى على إنها بالغة الصعوبة والتعقيد وأنها تحتاج لعقل خاص، وفكر خاص، وذكاء خارق، في حين أنها قد لا تحتاج إلا لعقل عادي جدا فقط يعرف نقطة الإرتكاز القانونية ليبنى عليها القضية، والمدعي سيصدق الحكاية بالطبع لسبب واحد هو إنه لايعلم.

نجد اليوم ميدانيا الكثير من المدعين قد وقعوا فعلا ضحايا لهذا النوع من الممارسات فإضافة لأحساسهم بالظلم تجاه من إضطروا لرفع الدعاوى ضدهم نجدهم يقعون مجددا تحت ظلم جديد وهم يسعون للحصول على حقوق لهم سليبة، وفي هذا المرة ممن يفترض إنهم حماتهم والجنود الذي يذودون عنهم إستردادا لتلك الحقوق المضيعة.

هم بذلك يقعون بين مطرقة لاترحم وسندان صلب لايتيح لهم مجالا للهروب من تلك المطارق الساحقة، ففي الطريق الطويل مابين المرحلة الإبتدائية مرورا بالإستئناف وصولا للعليا قد يجد المدعى نفسه وقد أفلس تماما بسبب اللا معقولية في طريق العدالة، وإذا كان الأمر كذلك فقد يضطر بعض المدعين للتخلى عن قضاياهم وذلك بعد حساب الخسائر والمكاسب، وبالقطع فان كفة الخسائر سترجح الأخرى، في هذه الحالة علينا أن ننعي العدالة بسبب هذه العقبة الكأداء.

وإزاء هذا الوضع المؤسف فإننا نرى بأن على الجهات المختصة القيام أولا بحملة توعية إعلامية في كافة وسائل الإعلام والتواصل الإعلامي على هيئة جرعات تثقيفية قانونية بنوعية القضايا والقوانين التي يتم الإحتكام إليها، مع تقدير الإتعاب المناسبة، فالثقافة القانونية ستقطع دابر التهويل والتضخيم الذي يلجأ إليه أولئك في سبيل رفع قيمة الأتعاب لأرقام خرافية أو فلكية، فمدعي مثقف وملم بالقانون هو في كل الأحول خير من آخر لايعلم. بالطبع نؤمن بأن مهنة المحاماة كغيرها من المهن خاضعة للعرض والطلب في سوق حرة، لكنها تختلف عن باقي المهن في إنها (أخلاقية) وتعمل وفق أمر من الله عظيم ذاك هو (العدل) المشار إليه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ونذكر هنا هذه الآية من سورة النحل إذ يقول رب العزة.»إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (90).. صدق الله العظيم.

فإقامة عمد وأركان العدالة هو في هذه الآية (أمر) والمنهي عنه في ذات الآية هو الفحشاء والمنكر و(البغي) وهو الظلم نقيض (العدل)، آية مرفوعة بالجلال كله لحياض هذه المهنة (المحاماة) فأي عظمة تلك، وأي هيبة تلك الرديفة لهذا المهنة تحديدا دون غيرها من المهن.

نأمل من وزارة العدل والشؤون القانونية ومجلس الشؤون الإدارية للقضاء وجمعية المحامين العُمانية القيام بدورهم التوعوي والإداري لتقنين المغالاة في أتعاب هذه المهنة وكما يحب ربنا ويرضى.