سالم الحبسي يكتب للشبيبة: سامح الدهشان.. خيطٌ آخر انقطع.. من القاهرة إلى مسقط حمل خارطة طريقه.. ومن مسقط إلى القاهرة عاد ليكتب سطره الأخير.

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٠/سبتمبر/٢٠٢٦ ١١:٣٦ ص
سالم الحبسي يكتب للشبيبة: سامح الدهشان.. خيطٌ آخر انقطع.. من القاهرة إلى مسقط حمل خارطة طريقه.. ومن مسقط إلى القاهرة عاد ليكتب سطره الأخير.
سالم الحبسي

بقلم : سالم الحبسي

بعض الرحلات لا تنتهي عند الوصول، وبعض الكتب لا تكون مجرد أوراق تحملها اليد، وإنما تصبح شاهداً على رحلة إنسان كاملة. وحين أفكر اليوم في رحيل الزميل سامح الدهشان، أتذكر كتاباً حمله ذات يوم من القاهرة إلى مسقط، وأتذكر عبارته التي قالها لي: «هذا الكتاب هو خارطة طريقي الإعلامية في عُمان».

لم يكن سامح يومها يحمل كتاباً فحسب؛ كان يحمل حلماً، وتجربة، وطموحاً، وإيماناً بأن الطريق المهني يمكن أن يبدأ من صفحة، ثم يتحول إلى سنوات من العمل والحضور والعلاقات والذكريات.

جاء سامح إلى مسقط من القاهرة، حاملاً كتاباً كان قد فاز بجائزة التميز، وكأنه أراد أن يجعل من ذلك الإنجاز نقطة انطلاق لمرحلة جديدة. كانت مسقط بالنسبة إليه أكثر من محطة عمل؛ كانت مساحة جديدة يختبر فيها تجربته، ويبني فيها علاقاته، ويكتب فصلاً جديداً من حكايته الإعلامية.

ومضت السنوات..

وفي المهنة، لا تقاس السنوات بعدد الأيام التي مرت، وإنما بما تتركه من وجوه ومواقف وذكريات. عاش سامح في مسقط جزءاً مهماً من رحلته، وكان واحداً من أولئك الزملاء الذين يصبح حضورهم مع الوقت مألوفاً، ثم ندرك قيمته حين يغيب.

فالصحافة والإعلام مهنة الأخبار السريعة، لكن الإنسان فيها يبقى أطول من الخبر. قد يسقط عنوان من الذاكرة، وقد تنتهي مباراة وتغلق صفحاتها، لكن موقفاً إنسانياً، أو ابتسامة زميل، أو جلسة عابرة، أو كلمة في وقتها، قد تبقى سنوات طويلة.

ثم جاءت لحظة العودة..

عاد سامح إلى القاهرة بعد سنوات قضاها في مسقط، عائداً إلى المدينة التي جاء منها يوماً وهو يحمل كتابه وحلمه. لكنه لم يعد كما جاء؛ عاد محملاً بتجربة عُمانية، وبسنوات من العمل، وبذكريات زملاء وأصدقاء، وبجزء من مسقط التي أصبحت حتماً جزءاً من حكايته.

ولم نكن نعرف أن تلك العودة ستكون مقدمة لرحلة أخرى، وأن القاهرة التي كانت بداية الطريق ستكون أيضاً محطته الأخيرة.

عاد سامح إلى القاهرة، وقبل أن يودع الحياة، كان قد ترك خلفه أثراً لا تستطيع المسافات أن تمحوه. من القاهرة إلى مسقط حمل كتاباً رأى فيه خارطة طريقه، ومن مسقط إلى القاهرة حمل حصيلة عمر وتجربة وذكريات، ثم مضى إلى رحلته الأخيرة.

يا سامح، كم هي قاسية هذه المهنة حين يتحول الزميل من صديق نراه إلى اسم نقرأه في خبر الرحيل. وكم هو موجع أن نكتب عنك اليوم، بينما كنا نكتب معك بالأمس عن الحياة والرياضة والأحداث.

رحلت عن المكان، لكنك لم ترحل عن الذاكرة. ستبقى في ذاكرة من عرفك، وفي تفاصيل السنوات التي جمعتك بزملائك، وفي الحكايات التي ستُروى عن رجل جاء إلى مسقط حاملاً كتاباً، ثم ترك فيها جزءاً من عمره.

رحم الله سامح الدهشان، وغفر له، وأنزل على قبره رحماته، وجعل ما قدمه في حياته من علم وعمل وأثر في ميزان حسناته.

رحم الله روحاً غادرتنا قبل أن نتهيأ لفراقها، ورحم الله وجهاً ألفناه، وصوتاً اعتدناه، وزميلاً صار اليوم جزءاً من الذاكرة.

من القاهرة إلى مسقط، ومن مسقط إلى القاهرة..اكتملت الرحلة. بقي الكتاب، وبقيت الحكاية، وبقي الأثر.

"إنا لله وإنا إليه راجعون"