عادل الحمداني يكتب للشبيبة: الكتابة من خلف الستارة

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٠/سبتمبر/٢٠٢٦ ١١:٠٢ ص
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: الكتابة من خلف الستارة
عادل الحمداني

عادل الحمداني – كاتب وإعلامي

 شخصية فرانسيس أندروود التي جسدها الممثل كيفين سبيسي في مسلسل HOUSE OF CARDS تُعد من أكثر الشخصيات التي تُربك المتلقي؛ إذ يجد نفسه مترددًا بين كرهها أو الإعجاب بها، لكنه في النهاية ينجذب بلا وعي لمتابعة ما تقوله أو تفعله، وهي تُقدم السياسة ك"لعبة قوة" مليئة بالمكائد. هذه الشخصية، كما رُسمت، تُطلق عبارات تبدو وكأنها بذور لأفكار تصلح أن تكون موضوعًا للنقاش والكتابة. ومن بين ما قاله أندروود: "ما من كاتب جيد يمكنه مقاومة قصة جيدة، تمامًا كما لا يستطيع أي سياسي أن يمتنع عن قطع وعود لا يستطيع تنفيذها".

       الشق الأول من هذه العبارة يلامس قطاعًا واسعًا من الكُتّاب في مختلف المجالات، إذ يفتح الباب أمام زوايا متعددة للحديث وطرح موضوعات صالحة للكتابة. فالكثير من الكتّاب يعيشون هاجسا دائمًا مع الكتابة؛ فما أن تعترض طريقهم قصة حتى يسارعون إلى التقاط تفاصيلها وتحويلها إلى مادة قابلة للقراءة، شرط أن يكونوا قادرين على فهمها قبل الشروع في صياغتها.

       وهنا يحضر قول الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو: "كم هو أمر عديم الجدوى أن تجلس لتكتب وأنت لم تقف لتواجه الحياة". فالنصوص تفقد قيمتها إن لم تنبع من تجربة حقيقية.

       الكاتب الذي لم يعش الحياة ولم يختبر تحدياتها يكتب كلمات خاوية بلا روح. وهذا يعني أن الكتابة ليست بديلًا عن الحياة، بل امتداد لها. لذلك، أجد نفسي متفقًا مع الرأي القائل إن أجمل النصوص وأكثرها صدقًا هي تلك التي خرجت من رحم التجارب، من قلب الحياة نفسها.

       وإذا الأمر كذلك في جانب الكتابة المباشرة، فإن الكتابة في الظل تُمثل الوجه الآخر للمعادلة؛ ففي عالم الصحافة والأدب، لا يظهر جميع الكتّاب إلى العلن، إذ يقف خلف كثير من النصوص "كاتب ظل" يحمل قلمه الخفي ليتقمص حياة الآخرين وتجاربهم ويحوّلها إلى كلمات تبدو وكأنها صادرة عنهم، ويصوغ الأفكار ويحوّلها إلى نصوص موقًّعة باسم غير اسمه، بينما يظل هو مجهولًا بعيدًا عن الأضواء.

       ويشبه الكاتب البريطاني أندرو كروفتس، أحد أشهر كتاب الظل في العالم، في كتابه "اعترافات كاتب ظل" مهنة الكتابة للآخرين بأنها عملية تقمص، إذ يتوجب عليه رؤية العالم من منظور الشخصية التي يكتب عنها. بمعنى آخر، يكتب كما لو كان هو شخص آخر، لكنه يختفي عند رفع الستارة، ما يكشف البعد الفني والتمثيلي في عمل كاتب الظل.

       أما الكاتب الأمريكي موهرينغر، الذي كتب سيرة لاعب التنس المحترف أندريه أغاسي، يوضح مهمته انحصرت في الكتابة بصوت أندريه، وأن يكون شفافًا بحيث يقرأ القارئ لاعب التنس نفسه؛ وهذا يُبرز كيف يذوب الكاتب في شخصية من يكتب عنه، ليغدو مجرد قناة لنقل صوت العميل لا شخصية مستقلة.

       يُعرّف كاتب الظل عادة بأنه الكاتب المحترف الذي يكتب باسم الآخرين، سواء أكانت كتبًا أو مقالات أو خطابات أو محتوى رقمي. وفي العالم العربي يظل مجهولًا في معظم الأحيان، بينما يُعترف بدوره في دول أخرى باعتباره ممارسة مهنية مشروعة وطبيعية.

       بهذا الشكل يصبح كاتب الظل هو "اليد الخفية" التي تُعيد تشكل أفكار الآخرين وصورهم، وتُقدّمها للجمهور باسمهم. وإذا كان "ثورو" يرى أن الكتابة بلا مواجهة للحياة فعل عقيم، فإن كاتب الظل يواجه حياة الآخرين ويكتبها، ليمنحها حضورًا ويجعلها في متناول القارئ.

       الاستعانة بكاتب الظل شائعة في خمس حالات رئيسية: حين يفتقر صاحب الإسم إلى الوقت، أو إلى المهارة الكتابية، أو حين يحتاج النص إلى أسلوب رصين يحفظ صورته المهنية، أو عند كتابة السير الذاتية، أو في إنتاج المحتوى الإعلامي والتسويقي للشركات والعلامات التجارية.

       ولا يمكن الجزم بإن كاتب الظل يتقاضى أجرًا في كل الأحوال مقابل ما يقدمه من نصوص؛ فبينما يتم الاستعانة به، في كثير من الحالات، بموجب عقود مالية واضحة، نجد أن هناك حالات أخرى لا يرتبط فيها عمله بالمال مباشرة. فقد يكتفي أحيانًا بتقديم خدمات تطوعية أو شخصية، مثل مساعدة صديق أو قريب في كتابة نص، أو ممارسة الكتابة دون مقابل بغرض التدريب واكتساب الخبرة. كما يظهر كاتب الظل ضمن إطار وظيفي محدد، حيث يُدرج عمله ضمن مهامه الوظيفية ويتقاضى راتبًا لا يُحتسب على أساس النص الواحد.

       وعليه، فإن العلاقة بين كاتب الظل والأجر ليست علاقة مطلقة، بل تتراوح بين الخدمة المهنية المدفوعة، وهي الأكثر شيوعًا، وبين الممارسة التطوعية أو الاندماج في وظيفة أوسع. هذا التباين يعكس الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لهذه المهنة، ويكشف عن مرونتها في التكيّف مع احتياجات الأفراد والمؤسسات على حد سواء.

       ومع ذلك، فإن هذا المجال تجاوز الشكل التقليدي الذي نعرفه ليأخذ نمطًا جديدا يمكن أن نطلق عليه كاتب الظل الإلكتروني؛ الذي يمارس الكتابة عبر الفضاء الرقمي، مستخدمًا الأدوات التقنية والذكاء الاصطناعي.

       وبشكل عام، يمكن القول إن الكتابة في الظل امتداد لحياة أخرى، حياة أولئك الذين يكتب باسمهم. إنها ممارسة تجمع بين السرية والإبداع، وبين المهنية والجدل الأخلاقي.

       ومن أشهر الاعترافات في هذا الجانب، تأكيد الكاتب الأمريكي توني شوارتز أنه شارك دونالد ترامب في تأليف كتاب "فن الصفقة"، وأنه كتب كل كلمة من الكتاب، فيما أضاف ترامب بعض التعديلات إلى المخطوطة. وهذا يوضح كيف يمكن لكاتب محترف أن يكتب حياة شخص آخر وصوته ولصالح صورته العامة.

       في العالم العربي يظهر كاتب الظل بأشكال متعددة في الإعلام الرسمي؛ سواء عند صياغة خطابات المسؤولين، أو كتابة مقالات الرأي لشخصيات عامة، أو تحرير البيانات الرسمية للمؤسسات الحكومية والخاصة. أما في السياق الغربي، فيُعد توظيف كاتب الظل أمرًا مقبولا، بل يُنظر إليه ممارسة مهنية طبيعية، ويُذكر اسمه أحيانًا داخل الكتاب باعتباره خبيرًا يساعد في تحويل الأفكار إلى نصوص قابلة للنشر، من دون أن ينتقص ذلك من قيمة صاحب الاسم المُعلن.

       ورغم هذا القبول، يظل الجدل قائمًا: هل يُعتبر كاتب الظل أداة مهنية مشروعة أم إخفاءً للكاتب الحقيقي؟ فالمؤيدون يرون أن الفكرة ملك لصاحب الاسم، بينما الكاتب مجرد وسيلة لتحويلها إلى نص، مشبّهين دوره بالمصور أو المصمم، حيث تبقى الأفكار والتجارب مُلكًا للعميل. في المقابل، يرى المعارضون أن غياب الاعتراف يُضعف من المصداقية ويُخفي الجهد الحقيقي. وبين هذين الموقفين يبقى شعور الجمهور هو الحاسم؛ فإما أن يعتبره نوعًا من الخداع، أو يتقبله بوصفه ممارسة طبيعية في عالم الكتابة.

       وهكذا يظل السؤال مفتوحًا: هل ينبغي أن نقيّم النصوص بما تحمله من أفكار وقيمة معرفية، أم باليد التي خطّتها وأُعلن اسمها على الغلاف؟