عادل الحمداني يكتب للشبيبة: عن الفراشة التي لا أطاردها

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣٠/أغسطس/٢٠٢٦ ١٦:٢٦ م
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: عن الفراشة التي لا أطاردها
عادل الحمداني

بقلم : عادل الحمداني 

في بعض الأحيان أشعر أن هاجس الكتابة، والنقر على لوحة المفاتيح التي أمامي، أشبه بمصدر إزعاج لا ينفك عن مطادرتيكلما استحوذت فكرة على ذهني. أظل منشغلًا عما حولي حتى أفرغها في مسودة أولى. عندها فقط أشعر بشيءمن الراحة، ثم أعود إليها لاحقًا لأراجع ما كتبت، وأعدل ما يحتاج إلى تعديل، وأعيد صياغة الفكرة من جديد إن لزم الأمر.

وكم من مرة حدث فيها أن تحولت فكرة صغيرة إلى عمل لم أكن أتوقعه.

حدث ذلك مع روايتي الأولى «غرفة محكمة الإغلاق»، لكنه حدث بصورة أكثر غرابة مع روايتي الثانية «أميرة بنت تونس». لم أرسم قبلها ملامح الشخصيات، ولم أحدد الأماكن، ولم أكتب خطوط الحكاية والحوارات. لم يكن هناك شيء تقريبًا سوى فكرة صغيرة جدًا، جاءتني من كلمات سمعتها قبل ذلك بنحو عامين في تونس، من المرشدة السياحية التي رافقتنا أنا وزميلي أسعد في شارع الحبيب بورقيبة.

ظلت تلك الكلمات في مكان ما من ذاكرتي، دون أن أفعل بها شيئًا.كنت أراهامثل شجرة تكبر أمام ناظري دون أن ألمس أطرافها أو أوراقها، ثم، في لحظة لم أخطط لها، فتحت صفحة بيضاء على شاشة الكمبيوتر وبدأت أكتب الفصل الأول.

لم أكن أعرف إلى أين ستذهب الحكاية.

وفي الأيام التالية كنت أعود إلى الكتابة، أكتب حتى أشعر بالتعب، ثم أغلق الجهاز لأعود في اليوم التالي وأكمل ما لا أعرف عنه شيئًا. استمرت الرحلة قرابة الشهرين، انتهيت بعدها من المسودة الأولى. تركتها عدة أشهر، ثم عدت إليها أكثر من خمس مرات، أعيد صياغة الجمل، وأغير بعض المسارات، وأتحقق من معلومة هنا وأخرى هناك، حتى وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أنني لم أعد أملك شيئًا أضيفه أو أغيره.

عندها خرجت رواية «أميرة بنت تونس» بالشكل الذي يعرفه من قرأ الرواية.أتذكر تلك التجربة كلما مررت بالعبارة التي تقول: «الأفكار العبقرية مثل الفراشة؛ إذا طاردتها هربت».

لا أعرف إن كانت العبارة تصف الإبداع بدقة في كل حالاته، لكنها، على الأقل، تصف شيئًا عشته أكثر من مرة. فمنذ سنوات توقفت عن مطاردة الأفكار. لا أبحث عنها بالقوة، ولا أجلس أمام صفحة بيضاء لأجبر عقلي على أن يمنحني شيئًا لا يريد منحه. لكنني، في الوقت نفسه، تعلمت أن أكون مستعدًا عندما تأتي. فالفكرة قد تصل في اللحظة التي لا تكون مستعدًا لها.

ألم يحدث لك أن جاءتك وأنت تقود سيارتك، أو تستعد للنوم، أو تمارس عملًا آخر لا علاقة له بالكتابة؟ ألم يحدث أن وجدت نفسك تكتب جملة على قصاصة ورقية، أو تحفظها في هاتفك، أو تسجلها بأي طريقة حتى لا تضيع؟ حدث معي ذلك، وكان المهم ألا أدعها تعبر أمامي ثم تختفي.

هنا تبدو المفارقة غريبة. نحن لا نستطيع أن نأمر الفكرة بأن تأتي، لكننا نستطيع أن نهيئ لأنفسنا مكانًا لالتقاطها عندما تأتي.

أحيانًا أظن أن العقل يعمل في الوقت الذي نظنه فيه ساكنًا. نعتقد أننا لا نفكر في شيء، بينما هو في الداخل يعيد ترتيب الذكريات، ويفكك مشهدًا قديمًا، ويصل بين جملة سمعناها قبل سنوات ومشهد رأيناه بالأمس، ويضع كلمة بجوار أخرى دون أن نشعر. ثم، في لحظة مفاجئة، يظهر شيء جديد، فنظنه فكرة ولدت في تلك اللحظة، بينما ربما كانت تتشكل في داخلنا منذ زمن طويل.

قرأت مرة أن الكتابة ليست سوى نتيجة لتراكم أشياء كثيرة: مراقبة ما يحدث بصمت، والاستماع إلى ما يُقال، والاحتفاظ بالتفاصيل الصغيرة، وتخزين المشاهد والوجوه والأصوات، ثم تأتي لحظة إعادة تركيب كل ذلك في سياق جديد.

وأظن أن تجربتي مع الكتابة تؤكد شيئًا من هذا.في روايتي الأخيرة «عتمة»، ولدت بعض الشخصيات من مشاهدات عابرة في الحياة. وبعض الحوارات بدأت بجملة سمعتها في مكان ما. وتفاصيل أخرى جاءت من لحظة ما، ومشهد هناك، وذكرى لم أعرف وقتها أنها ستجد طريقها إلى رواية.

من جنيف إلى لندن، وباريس، وطوكيو، وتونس، والقاهرة، والدوحة، وبانكوك، وكوالامبور، وغيرها من المدن التي زرتها، تراكمت في داخلي أشياء كثيرة. حكايات، وصور، وأصوات، وتفاصيل متعددة، ووجوه التقيت بها، وحوارات دارت بيننا، ودهشة ارتسمت لحظتها. ثم ظهرت هذه الأشياء في قوالب مختلفة؛ في مقال، وفي رواية، وفي تحقيق صحفي، وفي تقرير تلفزيوني.

اكتشف أحيانًا، بعد أن أنتهي مما كتبت، أن الحياة التي عشتها هي التي كتبت لي أكثر مما كتبت أنا عنها.

لهذا ربما لا أحب فكرة مطاردة الإبداع. القلق من غياب الفكرة قد يكون سببًا في غيابها. الأمر يشبه شخصًا يضع رأسه على الوسادة، ثم يبدأ في إجبار نفسه على النوم. كلما حاول أن يأمر النوم بالحضور، ازداد يقظة. وحين يتوقف عن التفكير فيه، يأتي النوم من حيث لا يدري.

أشعر أن الأفكار تفعل شيئًا قريبًا من ذلك. كلما ضغطنا عليها كي تظهر في الموعد الذي نريده قاومت. وكلما منحنا عقولنا مساحة من الهدوء، وجدناها تعود إلينا من طريق لم نخطط له.

لكن هل يعني ذلك أن نجلس وننتظر الإلهام ونترك كل شيء للصدفة؟ بالطبع لا. الكاتب الذي ينتظر الفراشة عليه أن يكون يقظًا بما يكفي عندما تحط قريبًا منه. الفكرة وحدها لا تصنع رواية، كما أن الومضة الأولى لا تصنع مقالًا. كل شيء مُتقن يحتاج إلى عمل طويل: كتابة، وحذف، وإعادة صياغة، وتحقق، وشك، ومراجعة، وربما إعادة بناء جديدة. وهذا ما يحدث معي كثيرًا في كل عمل أكتبه، وكأنها عادة لابد من ممارسة طقوسها.

هذا يقود إلى حقيقة أن تلك الفكرة ما هي إلا لحظة، لكن العمل عليها يحتاج إلى زمن أطول، وجهد أكبر.

من بين ما تعلمته من ممارسة الكتابة؛ أن الأشياء الثمينة لا تأتي دائمًا عندما نطلبها. بعض ما نبحث عنه بإلحاح لا نجده، وبعض ما لا نبحث عنه يأتي إلينا في لحظة عابرة. يحدث في الحياة كما يحدث في الكتابة؛ قد يأتي الحب ونحن في ذروة انشغالاتنا، وتأتي الصداقة دون موعد، ونجد السعادة في مكان لم نتوقعه، وقد نعثر على معنى كبير في جملة عابرة لم تكن تعني لنا شيئًا في لحظتها الأولى.

وكذلك الأفكار. نحن لسنا بحاجة إلى مطاردتها. كل ما نُريده أن نترك نافذة مفتوحة، ودفترًا قريبًا، وهاتفًا يحفظ الجمل العابرة، وعقلًا يقظًا لما يحدث حولنا.

أما الفراشة، فلنترك لها حرية اختيار اللحظة التي تحط فيها.فالأفكار الجميلة تشبه الفراشات؛ لا تأتي لمن يطاردها، وإنما لمن يترك لها مساحة كافية كي تقترب، ولمن يكون مستعدًا لالتقاطها حين تحضر بين يديه.