علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: كتاب "مضيق هرمز".. إصدار يستشرف الأزمات

مقالات رأي و تحليلات السبت ٢٩/أغسطس/٢٠٢٦ ١٤:٣٧ م
علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: كتاب "مضيق هرمز".. إصدار يستشرف الأزمات
علي بن راشد المطاعني

بقلم : علي بن راشد المطاعني

تبدأ قراءة الأزمات الكبرى من فهم استراتيجية المكان وأهميته، وهي معرفة تتشكل لدى المفكرين والباحثين قبل أن تولد الأزمات وتشتد الصراعات بين الدول؛ فالمعرفة العميقة بقواعد اللعبة في المواقع الحساسة لا تنطلق من فراغ، وإنما تستند إلى تراكم الخبرة في العلوم السياسية، وقراءة معمقة للتاريخ والجغرافيا معًا، وقدرة علمية على استشراف آفاق المستقبل وفهم طبيعة التقاطعات بين المصالح الإقليمية والدولية.

ولعل إصدار الدكتور عامر بن محمد بن شامس الحجري لكتابه القيّم "مضيق هرمز: التنافس الدولي وأثره على سيادة سلطنة عُمان" يؤكد هذه الحقيقة؛ إذ جاء اختياره لهذا الموضوع قبل أن يبلغ المضيق هذه الدرجة من الحضور في المشهد السياسي والإعلامي العالمي. ويقدم الكتاب رؤية علمية تستشرف التحولات الجيوسياسية وتفسر خلفياتها وإسقاطاتها، في توقيت بالغ الحساسية، بالنظر إلى ما يمثله مضيق هرمز من أهمية استراتيجية دولية، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

ومن هنا، يبعث هذا الجهد على الارتياح والتقدير، لما قدمه المؤلف، صاحب الخبرة الممتدة في مجالات السياسة والتاريخ والثقافة، عبر إصدار يضيء تاريخ هذا الممر المائي، ويقدم للمكتبة مادة علمية تستعيد تاريخ المضيق وأهميته الاستراتيجية منذ الأزل.

ولا شك أن الكتاب، الذي دُشّن في مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة، تحت رعاية سعادة الشيخ الدكتور سعيد بن حميد الحارثي، والي صلالة، وبحضور عدد من المسؤولين والباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي، بالتزامن مع ملتقى جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يكتسب توقيت صدوره عن مكتبة بيروت عام 2026 أهمية مضاعفة، في ظل التحولات والتوترات التي يشهدها العالم.

ويؤكد هذا التوقيت أن اختيار المؤلف لموضوعه لم يكن عابرًا، وإنما جاء عن وعي مبكر بأهمية هذا الممر المائي الدولي وما يحيط به من تنافس وصراعات نفوذ.

وتتجلى قيمة الكتاب في تقديمه رؤية قد تنير الطريق أمام السياسيين والباحثين والمخططين الاستراتيجيين لفهم دور الجغرافيا في صناعة الأحداث؛ فالكتاب لا يكتفي بوصف المكان فحسب، وإنما يعود بنا إلى جذوره التاريخية الضاربة في القدم، ويفكك أبعاده السياسية والاقتصادية والقانونية، ويضع بين أيدي القارئ مراجع ومعلومات تعينه على توجيه بوصلة التفكير نحو خيارات تحمي الاستقرار وتجنب المنطقة والعالم أزمات أوسع.

ذلك أن الكتابة في موضوع المضيق من مختلف أبعاده مهمة لا يضطلع بها إلا من امتلك خبرة طويلة في قراءة التاريخ وفهم السياسة وأبعادها الإقليمية والدولية. فهذه الخبرات الممتدة تُعد سندًا علميًا ومعرفيًا للكتاب؛ إذ لا يمكن فهم قضية المضيق من منظور واحد، وإنما من خلال الإحاطة الدقيقة بالتاريخ والجغرافيا والطبوغرافيا والقانون الدولي والاقتصاد السياسي، إلى جانب معرفة طبيعة الدول والشعوب ومنطلقاتها ومصالحها وتطلعاتها. وهذا ما منح المؤلف القدرة على تقديم معالجة متكاملة للمضيق، لا تنفصل فيها وقائع الماضي عن تحديات الحاضر واحتمالات المستقبل.

وتتضاعف أهمية الكتاب بالنسبة إلى سلطنة عُمان، لأن مضيق هرمز بالنسبة إليها ليس مجرد ممر مائي يقع في محيطها الجغرافي، وإنما فضاء يرتبط بتاريخها البحري ومصالحها الوطنية وأمنها وسيادتها. فقد شكل البحر عبر التاريخ امتدادًا طبيعيًا لحضور عُمان السياسي والتجاري، وجعل موقعها الاستراتيجي منها طرفًا أصيلًا في معادلات الملاحة والأمن البحري في المنطقة.

ومن هنا تأتي أهمية قراءة المضيق من المنظور العُماني، ليس باعتباره قضية مرتبطة بظرف سياسي عابر، وإنما باعتباره جزءًا من تاريخ طويل من التفاعل مع القوى الإقليمية والدولية، ومن التجربة العُمانية في حماية مصالحها والحفاظ على أمن الملاحة وتغليب الاستقرار والحوار. وهذا البعد يمنح الكتاب قيمة إضافية، لأنه يضع الحضور العُماني في سياقه التاريخي والقانوني والاستراتيجي، ويقدم فهمًا أوسع للعلاقة بين الموقع الجغرافي والسيادة والمصالح الوطنية.

ولعل الإصدار جاء في وقته تمامًا ليميط اللثام عن واحد من أهم ممرات العبور في العالم، ظل حاضرًا في حسابات القوى الكبرى، وإن غاب أحيانًا عن وعي الرأي العام العالمي، إلى أن أعادته الأزمات والتوترات الراهنة إلى واجهة الأحداث عالميًا. غير أن الكتاب لا يتعامل مع مضيق هرمز بوصفه نتاجًا للأزمة الراهنة، بل يؤرخ لخلفياته التاريخية والجغرافية والقانونية، ويرصد ما شهده عبر القرون من تنافس محتدم، وما ترتب على ذلك من انعكاسات على سيادة سلطنة عُمان ومصالحها الوطنية.

ويتناول الكتاب تاريخ التنافس الدولي على المضيق منذ العصور القديمة، مرورًا بالعصور الإسلامية، ثم التنافس الأوروبي ومحاولات السيطرة على المضيق من جانب البرتغال وفرنسا وبريطانيا وغيرها من القوى. كما يبرز دور البحرية العُمانية في حماية المضيق والخليج العربي والتصدي لمحاولات السيطرة عليه، ويتناول كذلك النظام القانوني المنطبق على المضائق الدولية من منظور القانون الدولي عمومًا واتفاقية قانون البحار.

كما يشكل الكتاب مرجعًا ليس فقط للسياسيين الذين يحتاجون إلى قراءة تحليلاته لفهم كيفية التعاطي مع أحداث المضيق، وإنما أيضًا للباحثين والأكاديميين والمهتمين بالدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية والجغرافيا السياسية والقانون الدولي والأمن البحري.

وسيجد طلبة الدراسات العليا في هذا الإصدار مادة علمية ثرية يمكن الاستناد إليها في بحوثهم ودراساتهم، سواء لإعادة قراءة أهمية المضيق من زوايا جديدة، أو للتعمق في القضايا التي سلط عليها المؤلف الضوء بعمق وإحاطة. كما أنه سيكون حاضرًا في الأبحاث المستقبلية التي تتناول أمن الخليج، وسيادة الدول المتشاطئة، وحرية الملاحة، والقانون الدولي للبحار، والتحولات الجيوسياسية، وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

وفضلًا عن ذلك، سيغدو الكتاب أساسًا علميًا لفهم مواقف الدول ذات المصالح المرتبطة بالمضيق، وطبيعة التوازنات التي تحكم علاقاتها، والسبل الكفيلة بضمان المرور الآمن وحماية المصالح المشتركة.

وبهذا الوصف، يُعد الكتاب قيمة مضافة للمكتبة العُمانية والعربية والعالمية، بوصفه مرجعًا علميًا في قضية تتجاوز حدود المنطقة إلى رحاب الأمن والاقتصاد الدوليين. ومن الأهمية بمكان العمل على ترجمته إلى لغات أخرى، حتى يتمكن الباحثون والسياسيون وصناع القرار حول العالم من الاطلاع على الرؤية العُمانية للمضيق، وعلى جذور الحضور العُماني التاريخي والقانوني والبحري فيه.

فمضيق هرمز ليس شأنًا محليًا أو إقليميًا فحسب؛ ذلك أنه إذا ما اضطرب هذا الشريان الحيوي، ارتجفت وارتبكت أسواق العالم، وتأثرت حركة الطاقة والتجارة والنقل بنحو خطير.

كما أنه إصدار فريد من نوعه يجسد ما يشكله مضيق هرمز من منطقة تلتقي فيها الجغرافيا بالتاريخ، والسيادة بالقانون، والسياسة بالاقتصاد، والأمن الوطني بالمصالح الإقليمية والدولية. وقد أوضح الكتاب أن كل أزمة تقع في المضيق تمتد تداعياتها بصورة مباشرة إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وأسعار النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، بما يثبت أن ضيق مساحته الجغرافية لا يعكس اتساع رقعة تأثيره في العالم.

ولعل ما يشير إليه المؤلف من أن التنافس الإقليمي والدولي على المضيق، والتحولات الجيوسياسية المحيطة به، ليست وليدة اليوم، وإنما تمتد إلى حقب تاريخية طويلة، يمثل إحدى أهم نقاط قوة الكتاب. فالأحداث الراهنة، مهما بدت جديدة في أدواتها وشعاراتها، ترتبط بجذور تاريخية وصراعات سابقة على طرق التجارة والموانئ والمواقع البحرية والنفوذ السياسي والعسكري.

بل إن الكتاب يعيد الاعتبار للحضور العُماني في قضية مضيق هرمز، لا باعتباره حضورًا فرضته الأزمة الراهنة، وإنما بوصفه امتدادًا لتاريخ طويل وموغل في القدم.

كما يبرز الكتاب النهج العُماني القائم على الحكمة والتوازن، وحماية حرية الملاحة، وتغليب لغة الحوار؛ فعُمان لم تكن يومًا مجرد دولة مجاورة لهذا الممر الحيوي، وإنما كانت ولا تزال طرفًا أصيلًا في أمنه واستقراره. وهذا البعد يمنح الكتاب أهمية وطنية خاصة؛ لأنه يوثق العلاقة العُمانية بالمضيق، ويقدمها من خلال قراءة علمية تجمع بين التاريخ والجغرافيا والقانون والسياسة.

ومن هذه الزاوية، فإن قيمة الكتاب لا تتوقف عند ما يقدمه من معلومات تاريخية أو قانونية، وإنما تمتد إلى قدرته على مساعدة القارئ في قراءة الحاضر واستشراف المستقبل. فالأزمات الكبرى لا تبدأ لحظة انفجارها، وإنما تتشكل قبل ذلك بسنوات من خلال تراكم المصالح والتنافسات والتحولات في موازين القوى. ولذلك فإن دراسة مضيق هرمز من منظور تاريخي وجغرافي وسياسي وقانوني تتيح فهمًا أعمق لما يمكن أن تؤول إليه الأحداث، وتمنح الباحث وصانع القرار أدوات تساعده على النظر إلى الأزمة قبل وقوعها، لا الاكتفاء بتحليل تداعياتها بعد وقوعها.

ونرى أنه من الأهمية بمكان تحويل مادة هذا الكتاب إلى محتوى معرفي تستفيد منه الجامعات والكليات، من خلال إدراج مضامينه ضمن مقررات التاريخ والعلاقات الدولية والجغرافيا السياسية والقانون البحري. كما ينبغي تناوله في وسائل الإعلام، وتنظيم ندوات وحلقات نقاشية متخصصة لدراسة ما يكتنزه من معلومات وبيانات ورؤى توضح ماهية هذا الممر الدولي وأهميته، وتشجع الباحثين على بناء دراسات جديدة انطلاقًا مما توصل إليه المؤلف.

ونهنئ أنفسنا والدكتور عامر الحجري، ونشكره على هذا الإصدار التاريخي الذي سوف يسلط الضوء على كثير من الحقائق الغائبة عن الكثيرين، ويكشف جذور الأهمية التاريخية والجغرافية للمضيق، والتجاذبات الدولية حوله عبر الحقب الماضية، ليضع أساسًا متينًا للتعاطي مع قضية مضيق هرمز في الحاضر والمستقبل.