حاجة مرحلة الدبلوم العام إلى تغيرات جذرية

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٥/أغسطس/٢٠٢١ ٠٨:٣٧ ص
حاجة مرحلة الدبلوم العام إلى تغيرات جذرية

بقلم: مرتضى بن حسن بن علي

تجتاح العالم ثورة تكنولوجية كاسحة،تعبر الحدود بدون قيود،وينتح عنها أو يصاحبها تغيرا في طبيعة المعرفة ذاتها وعلى جميع الأصعدة،وهذه الثورة تنطوي على أذى للاقطار الأقل إستعدادا للتقدم،والأكثر ميلا لمقاومة التغيير،اذ أنها تُحيل عددا متزايدا من الأنشطة الاقتصادية إلى مشروعات لا جدوى منها، والتقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع، إذا لم يتم استيعابه،سوف يقوم بتهميش أكبر لاقتصاديات تلك الدول،ويسبب مزيدا من البطالة في صفوف شبابه وشاباته حيث يقوم بالغاءمعظم الوظائف الحالية، ويستحدث وظائف أخرى مختلفة،علما إن أكثر الوظائف ألان آلتي يعمل بها العدد الأكبر من شاباتنا وشبابنا هي الوظائف الإدارية والكتابية وغيرها من الوظائف الصغيرة والمتوسطة،وهي ذات الوظائف المهددة بالتراجع المستمر،ثم الانقراض أمام زحف التكنولوجيا. وإذا لم نتدارك الأمور وباسرع وقت ممكن، فإن التكنولوجيا الحديثة سوف تكون عبئا يُثقل كواهلنا،وكيفية إدارتنا لمواردنا البشرية والتكنولوجية والعلمية والاقتصادية سوف تلعب دورا كبيرا ومحوريا في تحديد قراراتنا لمواجهة التطورات العالمية المتسارعة.إضافة إلى ذلك، فإن تلك الثورة تفرز تداعيات أخرى عديدة منها التغيير الاجتماعي المتسارع،وما ينتج عنه من تبدلات وتغييرات في مفاهيم القيم والعادات والاخلاق والعلاقات الاجتماعية، ونوعية فرص العمل،والتغييرات آلتي تحصل ليست بين جيل وأخر كما عهدنا بالماضي،بل تحصل في داخل نفس الجيل ولمرات عديدة، وقوى التغيير آلتي تواجه العالم عميقة التأثير ومعقدة ومترابطة،والسباق بين التعليم والكارثة سوف يزداد شدة، وهو سباق تزداد حواجزه ارتفاعا كلما دخلنا أكثر فأكثر في عُمق العقد الثاني من القرن الواحد والعشرون. كل ذلك يستدعي وبسرعة إحداث تغييرات جذرية في نظامنا التعليمي العتيق وبجميع مراحله، بدءًا من الروضة ومرورا بالمدرسة الابتدائية والثانوية، ووصولا إلى التعليم العالي وما بعده. والتعليم الثانوي تحديدا عليه أن يساهم بشكل أكبر فعالية وتأثيرا في عملية استيعاب التغييرات عبر بث روح التفكير النقدي عند الطلبة، نظرًا لما يتميز به طلبة هذه المرحلة من خصائص ترتبط بطبيعة المرحلة العمرية التي يمرون بها، والتعليم الثانوي الحديث المتطور المستجيب لاحتياجاتنا في يومنا وغدنا، يسير بإتجاه تعليم الطالب عدد متنوع من المهارات،مثل التكيف والمرونة والقدرة للتعامل مع التغييرات السريعة،وتبادل الأفكار، واستشراف المستقبل والاستعداد له والتفاعل معه بشكل واعي، والاطلال عليه بالفكر، وإدراك احتمالاته، وتوقي مفاجئاته، وبلوغ غاياته. يتحمل التعليم عموما وخصوصا التعليم الثانوي مهمة في غاية الاهمية في زرع أخلاقيات العمل عند الطلبة، وغرس روح الفريق، والتدريب على التخطيط وتنمية قدرات الحوار البناء،والمناقشة الحرة المسؤولة بعيدة عن التعصب والاراء القطعية غير القابلة على التفاعل،سواء داخل المدرسة أو خارج أسوارها،وغرس مفاهيم التعلم المستمر مدى الحياة، أي التعلم الذاتي بابعاده المختلفة، وتدريب الطلبة على طرق ومناهج التفكير العلمي عند التعامل مع القضايا الفكرية والعملية والمجتمعية،إضافة إلى زرع قيم التسامح، وقبول الأخر، وتنمية الروح الوطنية ومفاهيم المواطنة الصحيحة، وقيم المحاسبة والشفافية. يقع على عاتق التعليم الثانوي تحديدا إعداد الشباب علميا وسلوكيا للمهارات الحياتية المختلفة،وإعدادهم للتأقلم مع التغييرات الكاسحة آلتي تحدث بشكل يكاد أن يكون يوميا،عن طريق تزويدهم بذخيرة كبيرة من المهارات الحياتية المختلفة والتي تعطي أبعادًا جديدة للمهنة،مثل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الصناعي والاتصالات،والابداع، والتفكير النقدي،وأخلاقيات العمل،وفي كيفية التعامل مع الاخر المختلف، والعمل في فرق مشتركة،وريادة الاعمال، والمسؤولية المدنية،والحقوق والواجبات، إضافة بالطبع إلى إعدادهم للمهنة التي يحبون تعلمها قبل التوجه إلى التعليم العالي. ومن أجل ذلك وتوفيرا للوقت والجهد والمال،ينبغي حسب اعتقادنا التركيز في الصفوف الثلاثة الاخيرة من التعليم الاكاديمي، اي قبل الحصول على شهادة الدبلوم العام،على المواد الضرورية للطالب عند التحاقه بالتعليم العالي، إضافة إلى التركيز على المواد المشتركة لكل الطلبة خلال السنوات الثلاثة الاخيرة، وهي اللغة الانجليزية، والذكاء الصناعي، وتقنية المعلومات والتفكير النقدي.من آجل ذلك ينبغي إجراء مقابلات شخصية مع جميع الطلبة المواصلين دراساتهم الاكاديمية في الصفوف الثلاثة الأخيرة لمعرفة الطلبة الراغبين في تكملة دراساتهم الجامعية، مقابل الطلبة الراغبين بمواصلة دراساتهم في المعاهد والكليات الفنية والتقنية والمهنية، والطلبة الراغبين بالالتحاق بسوق العمل مباشرة، وحصر الدراسة في السنوات الثلاثة الاخيرة في مواضيع ومواد محددة، حسب الفرع الذي ينوي الطلبة بمواصلة دراساتهم فيه، فعلى سبيل المثال أن الطلبة الراغبين بمواصلة دراستهم في العلوم الطبية والبيولوجية والزراعية والصيدلية الخ.. يتم التركيز على مواد الكيمياء والفيزياء وعلم الاحياء والرياضيات،وتركيز الدراسة للطلبة الراغبين بالالتحاق بالكليات الهندسية والفنية والتقنية على مواد الرياضيات والرسم الهندسي وغيرها من المواد المتعلقة في مجال دراسته،أما الطلبة الراغبين بمواصلة دراساتهم في المجال التجاري والاداري يتم التركيز على المواد المتعلقة بالرياضيات والمحاسبة والاقتصاد وعلم الادارة وغيرها من المواد المتعلقة في مجال دراساتهم وتخصصاتهم، أما الطلبة الراغبين بمواصلة دراساتهم في كليات التربية وإعداد المعلمين، فيتم التركيز حسب الفرع الذي يريدون الدخول اليه، اضافة الى علم النفس والاجتماع،اما الطلبة الراغبين بالالتحاق بسوق العمل مباشرة بعد الحصول على الدبلوم العام، فيتم التركيز على اللغة الانجليزية وبعض الجوانب من الرياضيات والعلوم الادارية والمحاسبة، ومهارات الاتصال والتخاطب، والتواصل وحل المشكلات والمبادرة وعلمي الاجتماع والنفس. من المهم أيضا إيجاد جسور تمكّن الطلبة المتخرجين من الثانوية والحاصلين على شهادة الدبلوم لعام أو الكليات أو المعاهد الفنية والتقنية والتحاقهم بسوق العمل مباشرة،والراغبين من الحصول على الالتحاق بالتعليم العالي لاحقا،من مواصلة دراساتهم،وهذه الجسور غير متوفرة حاليا. يصعب التحدث عن تطوير التعليم في جميع مراحله من دون الاهتمام الجيد بإعداد معلمي المستقبل، وتمهين مهنة التعليم لتصبح مهنة رفيعة المستوى تماثل المهن الرفيعة الاخرى مثل الطب والهندسة والقانون وغيرها، فمن حق المعلمين على المجتمع ومن حق المجتمع عليهم ان تكون هذه المهنة من المهن الرفيعة المستوى مكانة وتقديرا واكتفاءا ماديا،فالمعلم المُتعلم والمثقف والممتهن والملتزم يعتبر عنصرا بالغ الأهمية لإصلاح وتطوير التعليم، ومن دونه يصعب اصلاح وتطوير التعليم، مهما كانت المقررات والمناهج جيدة، وهذا الموضوع سوف نتطرق اليه في مقال أخر. ان التغييرات العالمية المذهلة والتقدم المعلوماتي والتكنولوجي الملاحق والمستويات والمؤهلات التعليمية والعملية الحقيقية لعدد كبير من العاملين فعلًا أو الباحثين عن عمل او الخريجين من الثانوية العامة أو التعليم العالي جعلت التعليم ليست مجرد خدمة يتم تقديمها،وإنما اصبح التعليم الجيد والمتطور قضية سلامة وإستقرار ومستقبل اَي شعب وأمن اي وطن،ومن هنا يتوجب علينا أن نواجه مسألة التعليم كوطن يشعر إن التعليم هو خط دفاعه الأول ومحور مستقبله وأمنه واستقراره ورخائه.