

بقلم : محمد بن علي البلوشي
الأسبوع الفائت عشنا حدثًا وترقبًا مهمين طغيا على حديث العمانيين ولا شيء آخر سواهما..أما الحدث فهو تلك التجمعات-المظاهرات- التي انتشرت في بعض الولايات لمجموعات شبابية رفعت مطالب معيشية للحكومة بعد أن استبد بها اليأس والانتظار وطول الوقت الذي يزيد من معاناتهم للحصول على فرص عمل..فخرجوا وتحدوا الحرارة المرتفعة ليستقروا في الشارع..لماذا الشارع لأنه بات الوسيلة المثلى-كمايرون- للضغط على الإدارة الحكومية لإيجاد حلول لهم حينما يتلاشى أملهم. أما الترقب فهو تكهنات الأغلبية العامة من الناس عما ستؤول إليه الأمور ونتائجها المرتقبة وكيف ستتعامل السلطات المختصة مع هذه التجمعات وماذا لوتسارعت الاحداث اكثر فأكثر مما أعاد أذهاننا إلى 2011 مع اختلاف الظروف.
السؤال: من خرج إلى الشارع ولماذا؟..هل من أحد يحب أن يخرج في هذا الوقت الحارق ليتسلى بقطع طريق او إثارة شغب أو حتى كتجمع فقط لأجل التجمع والفرجة أو لمطالب «تافهة»..حتمًا لا فالذين خرجوا يعانون من ألم الفاقه والحاجة-الطعام والشراب اليومي متوفر- والفاقة والحاجة هنا الاستقرار المعيشي المنتظم..قلت قبل أسابيع في نفس هذا الموقع أن الكرامة في الراتب..سواء كان راتبا تجنيه عن عمل مؤسسي أو عمل حر يملكه شخص ضمن «الأعمال الحرة» كلاهما يضمن لمن يعمل الإستمرار والإستقرار في حياته..وبلا راتب أو مال فإن أيامك وشهورك تصبح جحيما فقد جربنا أن نصبح فجأة بلا راتب أو مال أو أن يتأخر راتبك لشهور أو ينقص.. كل تلك المعاناة سوف تتحملها انت وستكون مؤلمة وقاسية عليك عندما تكون مسؤولا عن اسرة /أسرتك الأولى إن كنت المعيل الوحيد لها ولا دخل أخر لك ..ينقلب ليلك إلى نهار ترى فيه نجوم الظهيرة من شدة اليأس الذي يحرق عقلك وتفكيرك.
شريحتان خرجتا للشارع: الباحثين عن عمل من أنهوا الدراسة الجامعية أو الدبلوم العام ..هؤلاء لم يحصلوا على عمل أو بحثوا عنه ولم يجدوه أو انهم رفضوا ماعرض عليهم لأن الراتب أو الاجر لايساوي مقدار العمل الذي سيقوم به الباحث عن عمل مع قناعة بعضهم بأن الحكومة قادرة على توظيفهم-سواء تحتاج لهم أم لا- ليحصلوا على راتب جيد واوقات عمل مناسبة كالشريحة العظمى من العمانيين.
الشريحة الثانية وهم المعذبون أكثر.. المسرحون من أعمالهم ..هؤلاء فاجعتهم أو مصيبتهم أعظم..فقد كانوا في أعمالهم ثم وجودًا أنفسهم في الشارع بلاعمل ..وهم كالشريحة الأولى ..حصلوا على عروض عمل لكنهم رفضوها فهي أقل من أجورهم السابقة ولا يكفي مدخولها لتغطية تكاليف الحياة لأسرهم..وهم الفئة الأصعب.أن تعمل والمال منتظم في حسابك شهريا ثم فجأة يتوقف ولايتوقف الأمر على هذا الحد بل تنتظرهم معركة يومية من المطالبات والإلتزامات.
جاءت الأحداث في وقت صعب لسبب واحد: كورونا فأصبحت أسعار النفط-المعيل والمغذي الرئيس لإيرادات الدولة «منكوبة» مما أدى لوضع قدرة الحكومة المالية وميزانيتها ومديونيتها تحت الضغط فأصبحت كذلك «منكوبة»..فأتخذت إجراءات تقشف وتقاعد لتخفيف العبء المالي كالضرائب ورفع بعض الدعوم والتخلص من الموظفين الذي قضوا سنوات طويلة في الخدمة الحكومية.كورونا كذلك سحق قدرة القطاع الخاص وهو صغير في عمان مقارنة بالقطاع الخاص في دو ل الخليج الأخرى ذات القدرة المالية الأكبر نظرا لإرتفاع حجم إنتاجها النفطي.فأصبح القطاع الخاص «منكوبا» وقدرته على تلبية التوظيف الفعلي ضعيفة بالرغم من حاجته لها إلا أن المال لايتدفق عليه بسهولة فهو قطاع ليس إنتاجيا في معظمه بل خدميا ويعتاش على الإنفاق الحكومي.
لكن: المواطن ليس مسؤولا عن هذه المبررات وليس مطالبا بتحمل ذلك...فذلك مسؤولية الحكومة فهي من تدير حياة الناس والمجتمع وفي هذه المشكلة هي المسؤولة عن حلها لا النواح عن مشكلتها..من المؤكد أن وزارة العمل تقوم بدورها في هذا الإختصاص لكنها ليست الجهة الوحيدة التي يمكن أن تقوم بذلك فهي مشكلة وطنية عامة ومع ذلك فإن المواطن المسرح عن العمل أو الباحث عن العمل لن يقتنع بمقولة ان الجهات المختصة تسعى طالما أنه بلا عمل..ولماذا نقول له أصبر..لماذا يجب عليه أن يتحمل ثمن الصبر.
لسنا حتى الآن في نظام أقتصاد سوق رأسمالي بحت حتى نترك المواطنين لرحمة السوق والعرض والطلب فالدولة تتحكم في كل المفاصل ولها اليد الطولى في تنظيم الاقتصاد والقطاع الخاص الذي يملك الوظائف والأعمال لكنها تسير لغير المواطنين حتى وإن صلحوا لها..كذلك فعندما يقول شاب أنه لم يجد عملا فذلك يجافي الحقيقة التي تقول أن الأعمال موجودة لكننا امام مشكلة تصنيفها وماهي الأعمال التي يريدها الشباب وماهي الأعمال التي يتجاهلونها..هذه معضلة يتحملها الطرفين الحكومة والمجتمع وهي نوع العمل الذي يريده المواطن-مشكلة مجتمعية ومسؤولية حكومية- والخلل الكبير في سوق العمل-مسؤولية حكومية-.. فبينما تنخر التجارة المستترة في الاقتصاد المحلي نخرا وتحولنا إلى مجرد مستهلكون ومتسوقون إلا أن المواطنين يرفضون هذه الفرص التي تدر المال المجزي على أصحابها وهي مشكلة في التعاطي مع الأعمال الحرة والتجارة المستترة ولذلك فإن تجاهل هذا القطاع سيزيد الضغط على القطاعات الأخرى كالحكومي والعمل في القطاع الخاص .مما سيفاقم المشكلة مستقبلا. ممايتطلب يتطلب من الحكومة تصحيح سوق العمل -بعد القطاع العام والشركات الحكومية والقطاع الخاص- في التجارة المستترة التي بها من المجالات الكثيرة التي يمكن أن تفتح الطريق لأنخراط العمانيين إليها..فكما استطاعت الحكومة قبل سنوات إعادة العمانيين تدريجيا إلى سوق العمل الحر والأنشطة التجارية فإنها تستطيع أن تعيدهم مرة أخرى. خلاصة القصة: إن طريقة التعاطي مع الحلول الوقتية والإمتصاصية ليست الوسيلة الآمنة للحفاظ على الأستقرار الوطني والإجتماعي..الداخلون لسوق العمل اكثر من حلول ردات الفعل.فماذا نحن فاعلون؟.