
بقلم : مرتضى بن حسن بن علي
يعيش العالم اليوم في خضم تحولات فكرية وسياسية وإقتصادية وعلمية هائلة، تُغير كثيرا من الحقائق التي كانت سائدة، والتحولات الحاصلة ليست بين جيل وأخر، مثلما كان يحصل سابقا، وإنما تحصل في حياة نفس الجيل ولمرات متعددة، وفي ظل هذه المستجدات التي لا تنتهي، تبرز أهمية مراكز الدراسات الاستراتيجية، التي تلعب دورا هاما في تعميق الرؤى والتصورات عن القضايا المختلفة وإنعكاساتها المحلية والاقليمية والدولية.
أول معهد للدراسات الإستراتيجية ودعم القرار في العالم أسسه السياسي والعسكري البريطاني المشهور «دوق ولينجتون»،في عام ١٨٣١م، وهو بطل معركة «واترلو» المشهورة والتي جرت في قرية «واترلو» قرب العاصمة البلجيكية «بروكسل» في عام ١٨١٥م، وهي المعركة التي شهدت هزيمة كبيرة غير متوقعة ل»نابليون» ونهاية دوره ونفيه تاليا الى جزيرة «سانت هيلينا» البركانية الصغيرة في المحيط الاطلسي والتابعة لبريطانيا، وذلك في عام ١٨١٥م حتى وفاته في عام ١٨٢١م.
معركة واترلو شكلت بداية أحداث كبرى، وأعادت تشكيل أوروبا بالطريقة التي نعرفها الان، ودوق ويلينغتون لعب دورا كبيرا في السياسة البريطانية، وأصبح رئيسا للوزراء مرتين، كما لعب أدوارًا متعددة في المعارك التي خاضتها بريطانيا في تلك الفترة.
تعقّد وسرعة تطور القضايا الامنية في بداية القرن التاسع عشر، جعلت من الوسائل التقليدية غير الاحترافية للتخطيط العسكري، سببا في تراجع النفوذ البريطاني، وقد أدرك دوق ويلنتجتون بوجود حاجة ماسة لاجراء تغييرات نوعية في وسائل صنع القرارات العسكرية والامنية.
وتدريجيا إنتشرت المعاهد والمراكز في أنحاء مختلفة من العالم، وبعد ذلك توسعت البحوث والدراسات في كافة المجالات، كما بدأت أقسام الدراسات والبحوث تنتشر في الجامعات المختلفة، وأدى كل ذلك إلى نجاحات عديدة ومتوالية للعديد من الدول التي إتبعت التخطيط الاستراتيجي.
ومع دخول العالم الى القرن العشرين تعقّدت المشاكل بصورة أكبر وتسارعت التغييرات بشكل لم يسبق لها مثيل، مما دفع العديد من الدول الاخرى،أن تعي بأهمية البحث العلمي وبمراكز الابحاث والدراسات الإستراتيجية وإستشراف المستقبل، وتحليل الأسباب الكامنة خلف العديد من المشاكل والاخفاقات،وبلورة الرؤى والمقترحات العلمية المتعلّقة بها، ووضع الحلول المناسبة للتصدي لها،واليوم أصبحت تلك المراكز جزءا من المشهد السياسي والعلمي والتنموي والاقتصادي والعسكري والأمني والتعليمي والاجتماعي في عدد كبير من دول العالم.
وعُمان، وقد دخلت إلى العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين تواجه تحديات عديدة، تختلف عن تلك التي واجهتها في بداية نهضتها الأولى قبل نصف قرن، وهي بحاجة للقيام بتخطيط علمي منظم قائم على المعرفة والتنبأ بالمستقبل واستشرافه وتوخى مفاجئاته ورصد إحتمالاته، وتوظيف البحث العلمي لخدمة قضايا المجتمع، وتقديم الرؤى وطرح الخيارات والبدائل المختلفة لأصحاب القرار.
ومن حق عُمان وواجبها،أن تُراجع تجاربها وخياراتها، فالمراجعة الامينة المدروسة ووفق مناهج علمية معروفة،حساب يجمع ويطرح، وهو في النهاية يضيف منجزات وخبرات ويصبح تراكمها أرصدة توفر الطمأنينة لشعبها ويساعدها على المساهمة بشكل أكبر وأعرض لتحمل رسالة أوسع وأرحب.
إيجاد مركز وطني للدراسات الاستراتيجية، سوف يساعد عمان على القيام بدراسات مُعمقة، للكثير من المشاكل التي تواجهها، ودراسة جذورها، وفي كيفية تجاوزها والبحث عن كل البدائل المتاحة،لتقديمها لإصحاب القرار لإختيار البديل المناسب.
إذا كانت الدول الاوربية سلكت دروب التقدم منذ فترة طويلة، فان تجربة النمور الاسيوية، تفيد أيضا بقدرتها على التقدم،رغم عدم إمتلاكها الثروات الطبيعية،عن طريق تصميمها وحشد كل العقول المتوفرة والاستعانة بالخبرات العالمية، وتجنب إتخاذ قرارات فردية أُحادية غير مدروسة، من أجل بناء قواها الذاتية،معتمدة على مراكز للفكر الاستراتيجي في كل الحقول، منها إعداد دراسات سكانية وإسكانية وأمنية وإجتماعبة معمقة، إضافة الى إيجاد دراسات عن الامن المائي والغذائي، وتعظيم دور الدولة والقطاع الخاص والمواطن في عملية التنمية المستدامة، وتحديث الأنظمة والقوانين والتشريعات، وإعادة هيكلة قطاعات عديدة عامة وخاصة،بما يتواكب مع آخر مستجدات الثورة التكنولوجبة الرابعة، التي تجتاح العالم، والتي أصبح لها دور فاعل في إختصار الوقت وتفعيل الانجاز، والتخلص من البيروقراطية المعطلة، لأن تلك التحولات أصبحت من أهم سمات الإدارة الحديثة التي تتسم بالكفاءة والإنتاجية.
لقد أثبتت التجارب إن الإعتماد على قرارات جماعية علمية مدروسة أفضل من الاعتماد على قرارات فردية أو الاعتماد في كل مناسبة على بيوت الخبرة الأجنبية وحدها.
فأغلب تلك البيوت لا تعرف أوضاع البلد ومشاكله وجذوره، ولا تحتك بالمواطنين، وهي أحيانا تعكس رغبات من يطلب منها كتابة تقاريرها، كما إنها أحيانا تعتمد على التقارير السابقة، مراكز الخبرة الوطنية سوف تكون أقرب للصواب خصوصاً إذا إعتمدت على أفكار وآراء خبرات وطنية مخلصة ممزوجة مع آراء خبراء اجانب ومستفيدة من تجارب دول اخرى ناجحة، كما ان مثل هذه المراكز سوف تتيح مجالا واسعا للسياسيين المتقاعدين والقادة الامنيين والعسكريين السابقين في مواصلة دورهم في خدمة بلدهم من خلال مشاركتهم لتقديم رصيد خبراتهم وتحليلاتهم للظواهر المختلفة وتقديم رؤية استراتيجية تخدم متخذ القرار في تلك الدولة.
كما إن وجود مركز وطني للدراسات الاستراتيجية يعني تفعيل كثير من القطاعات التي تتوافر فيها خبرات وطنية تعمل بأقل من طاقتها الفعلية، وذلك من خلال التعاون والتنسيق مع الخبرات المتوفرة في الجامعات ومراكز البحوث والصناعات الوطنية والقطاعات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والعلمية والصحية، وتعزيز ذلك من خلال الاتصال والتواصل مع المراكز والأوساط المتخصصة على المستوى الإقليمي والدولي.
الدِّراسات الاستراتيجبة هي فى المقام الأول دراسات تبحث فى العلاقات بين الوسائل والغايات، بعبارة أخرى، فإن التحليل الاستراتيجي هو ذلك النمط من التفكير الذى يسعى لتحديد الوسائل والآليات والأدوات المتعلقة بتحقيق أهداف الدولة أو المنظمة، وهي متممة ولاحقة لدور رجل الدولة أو صانع القرار الذى يقوم بتحديد الأهداف الوطنية للدولة، ثم يقوم المفكرون الاستراتيجيون ببحث الوسائل المختلفة لتحقيق هذه الأهداف.
وشروط إستخدام كل منها، وعناصر الكسب أو الخسارة المتضمنة فى استخدامها، كما يقدم لصاحب القرار ميزة التحرك بسرعة وسلاسة التي تتطلبها سرعة التغييرات في العالم وما تفرزها من أوضاع مفاجئة، وأحسن الطرق للتعامل معها، وفي كل الحالات سوف يبقــــــى القرار الاخير لرجل الدولة او صانع القــــــرار.
من أجل نجاح مركز الدراسات الاستراتيجية والاستفادة القصوى من الدراسات والتقارير المقدمة، يأتي عامل الفضاء الحر، الذي يحيط بطريقة النقاش وتقديم الآراء والأفكار المعروضة، وثانياً الأخذ بالسياسات والبحوث الإستراتيجية المعروضة حيال قضايا الساعة ومناقشتها وتحليلها معهم من قبل صاحب القرار.
عمان مثل باقي الدول العربية، تفتقر الى مثل تلك المراكز والمعاهد، حيث إعتمدت في رسم معظم سياساتها على رؤى نشأت، أما في عقول الموظفين المستشارين أو بناءا على ما يصلها من نصائح من مؤسسات دولية اخرى مثل «مكنزي» او البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي وغيرها، وتأسيسًا على ما سبق.
فان وجود مركز عماني للدراسات الاستراتيجية يُعتبر مهما جدا، لوجود العديد من الحلول للمشاكل التي نعانيها، وتضييق الهوة المتزايدة بيننا والدولة المتقدمة الاخرى ومنها النمور الاسيوية في كل المجالات، وبامكانها وضع عمان على الطريق الموصل لنهضــــــــة متجددة شاملة.