التلاعب بمعتقدات الشعوب

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٠/مايو/٢٠١٨ ٠٣:٣٤ ص
التلاعب بمعتقدات الشعوب

د. فيصل القاسم

تعمد كل الأنظمة السياسية في العالم، بما فيها الديمقراطية قبل الديكتاتورية إلى تنميط الشعوب ووضعها في قالب واحد يناسب الأنظمة الحاكمة، ويسير على هواها ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وحتى دينياً. فلا تنسوا أن البعض استخدم الدين تاريخياً كأداة في أيدي الحكومات لتطويع الشعوب وتسييرها في الخط الذي يخدم الأنظمة بالدرجة الأولى قبل أن يخدم الشعوب نفسها. وقد سمعنا أحدهم قبل أسابيع وهو يتبرأ من الحركات الدينية التي عاش عليها نظامه منذ عقود وعقود، فقد قال إن التوجه الديني لدينا ليس من صناعتنا، بل هو نوع من التوجهات الدينية التي فرضتها علينا جهات خارجية لمواجهة حركات أيديولوجية خطيرة تهدد الغرب.

ولا ننسى أن كل نظام سياسي يروّج لنوع معين من الدين الذي يناسبه ويناسب أفكاره ومصالحه، حتى لو ادعوا أن الدين واحد لكل البشر. لا أبداً، هذا غير صحيح بالمطلق، فالدين قد يكون واحداً بحد ذاته، لكنه ليس واحداً لكل الأنظمة السياسية، فكل نظام يأخذ الجانب الذي يناسبه من الدين ويعتبره الدين الصحيح، بينما يعادي وينبذ الأشكال والنسخ الأخرى من الدين ويعتبرها «خوارجية». ولطالما رأينا أن رجال الدين في البلدان التي تدعي أنها علمانية يتصرف بطريقة أكثر علمانية من علمانية فرنسا أحياناً كما في سوريا، ويحاول أن يظهر دائماً بمظهر الليبرالي الراديكالي. ولا يجد هذا النوع من رجال الدين مشكلة في تصوير الدين على أنه بالأصل علماني، ويستطيع أن يستنبط من التاريخ والفقه الديني العديد من الأمثلة التي تدعم وجهة نظره العلمانية- الدينية. وهذا النوع من الوعاظ يفعل ذلك مجاراة للنظام السياسي الذي يتبع له بالدرجة الأولى، لأن النظام في بلده مثلاً بالأصل نظام أقلوي، ويخشى من الأكثرية في البلاد، لهذا يعمد إلى علمنة الأكثرية كي يستطيع العيش بأمن وسلام كأقلية بين أكثرية. وبالتالي ستجد أن الطبقة الدينية في مثل هذه الأنظمة تنزع كلها باتجاه التسامح المصطنع والانفتاح المبالغ فيه والعلمنة المفتعلة نزولاً عند رغبة النظام السياسي الحاكم ومصالحه الخاصة أولاً وأخيراً. وهذا يعني أن الدين الذي يمارسه هذا النظام وأمثاله دينهم المصلحي الخاص، وليس الدين بشكله العام.

وكما أن الأنظمة السياسية القريبة من العلمانية تصنع ديناً متعلمناً، فإن الأنظمة المنغلقة والمتزمتة تصنع ديناً خاصاً بها قائماً على التطرف والانغلاق ومعاداة الآخر بما يناسب المؤسسة السياسية الحاكمة ومصالحها والدور المنوط بها. لاحظوا الآن أن بعض الأنظمة مثلاً تغير نوع التديّن الذي مارسته منذ نشأتها بشكل كامل، وتقلبه رأساً على عقب بما يناسب العهد السياسي الجديد.
ولطالما فرض الغرب والقوى الاستعمارية على هذا البلد أو ذاك نوعاً معيناً من التدين بما يناسب ويخدم مصالح المستعمر. وقد استخدم الاستعمار الدين لمصالحه الخاصة كما استخدمته الحكومات العربية. وقد لعب الدين دوراً مهماً في تخدير الشعوب وترويضها على أيدي المستعمر لمصالح استعمارية بحتة. ثمة مقولة مأثورة للقس الجنوب أفريقي الراحل ديزموند توتو، انتشرت على نطاق واسع باعتبارها «مقولة ذهبية» تلخص فلسفة هذا «القس المشاغب» المثير للجدل. يقول توتو: «عندما جاءت البعثات التبشيرية إلى أفريقيا، جاؤوا ومعهم الكتاب المقدس، وكانت معنا الأرض. قالوا لنا: لنصلِّ. أغمضنا أعيننا وبدأنا نصلي، وعندما فتحناها كان معنا الكتاب المقدس، واستولوا هم على الأرض». لاحظوا هنا كيف استخدم المستعمر الدين لتخدير شعوب أفريقيا واللعب بعقولها لنهب ثرواتها وخيراتها. ويحكى أن أحد قادة الاستعمار في أفريقيا ذات مرة سأل عن ديانة إحدى المقاطعات التي يستعمرها، فقالوا له: «ليس لدى سكانها دين يا سيدي»، فقال لهم: «اصنعوا لهم ديناً على الفور».

إعلامي في قناة الجزيرة