المؤسسات الإعلامية ليست شركات تجارية!

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٥/نوفمبر/٢٠١٧ ٠٣:٢٩ ص
المؤسسات الإعلامية ليست شركات تجارية!

علي بن راشد المطاعني في الوقت الذي نطالب فيه الحكومة بدعم المؤسسات الصحفية لتأكيد استدامتها واستمرارها في الصدور، وأداء دورها الوطني ورسالتها الإعلامية الهادفة، إلا أن هذه المؤسسات لا تطلب دعما مباشرا كعطايا وهبات نقدية، بقدر ما تطلب دعما حيويا وغير مباشر كزيادة إعلانات الجهات والشركات الحكومية على جميع الصحف وبالتساوي، وتعزيز الاشتراكات في الصحف اليومية بحيث لا تقل عن خمسة آلاف نسخة لكل صحيفة لمختلف الجهات الحكومية لضمان الحد الأدنى من الدخل والانتشار، فالبحرين على سبيل المثال تلزم الجهات الحكومية الاشتراك بهذا العدد لكل الجهات ومعظم الدول خاصة العربية تنتهج هذا النهج. ‏فالمؤسسات الإعلامية جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي في الكثير من الدول لا تترك لتتناوشها رياح الأسواق، ولا يمكن التعاطي معها كمؤسسات تجارية بحتة، بل هي مشاريع إعلامية وثقافية وفكرية لها إسهامات كبيرة لا يمكن إغفالها، بل هي ليست شركات تجارية تختص بأصحابها، وإنما هي مؤسسات عامة لها دورها الوطني في التعبير عن القيم والمبادئ والثوابت الوطنية وعكس توجهات الدولة التنموية والتعاطي مع الفعاليات والأحداث الوطنية بمستوى أفضل من الإعلام الحكومي نفسه، فضلا عن أن الدولة بحاجة ماسة لهذه المؤسسات لإيصال صوتها ورسالتها إلى جميع المحافظات، وهو ما يتعين وضعه في الاعتبار والأولويات وليس عدم المبالاة التي نشهدها. إن كل دول العالم تدعم وسائلها الإعلامية كأمر مفروغ منه، حتى الدول العظمى لها وسائلها ليس لتوجيه رسالتها لمجتمعاتها فقط، وإنما للعالم بأسره، ففي بريطانيا على سبيل المثال فإن الحكومة تفرض رسوما قدرها 120 جنيها إسترلينيا على كل بيت لدعم الـ BBC ولتلبية متطلبات هذه الإذاعة العريقة التي تبث بأكثر من 24 لغة حول العالم، والدول العظمى لها هيئات إعلامية تعبر عنها، وقناة الجزيزة على سبيل المثال ما كانت لتبقى لولا دعم الحكومة القطرية لها، وإعلانات الشركات القطرية فيها يتم بتوجيه من الحكومة أيضا، والدول المجاورة كلها تدعم مؤسساتها الإعلامية العامة والخاصة على السواء لأداء رسالتها، بل إن الحكومة المصرية تدعم الصحف القومية والمؤسسات الإعلامية الخاصة الكبرى، وهناك الكثير من الأمثلة لدلالة دعم الحكومات لوسائلها الإعلامية لا يتسع المجال لحصرها، في حين تتهاوى الصحف والمجلات لدينا كأوراق الخريف، وتحتجب عن الصدور وتقلص من توزيعها وانتشارها وكأن شيئا لم يكن للأسف، لغياب الرؤية الإعلامية وضياع الهدف وسط ضباب الأزمة المالية. فالدولة اليوم في حاجة ماسة لوسائل الإعلام في إيضاح دورها وتوصيل رسالتها لمواطنيها وبخاصة في هذه المرحلة التي اختلط فيها الحابل بالنابل نتيجة لسيطرة وسائل التواصل الاجتماعية على مجريات الأحداث، وأمست الإشاعة تمشي بين الناس اختيالا، فإذا غابت الوسائل الإعلامية الجماهيرية المسؤولة والناضجة وتهاوت الواحدة تلو الأخرى، فمن أين يستقي المواطن والمقيم معلوماته ومصادره. لقد وجدت مؤسساتنا الإعلامية نفسها مضطرة لإيقاف توظيف الشباب العُماني، بل وصل الأمر إلى الاستغناء عن بعضهم، وهذه مؤشرات بالغة الخطورة ومهددة للأمن الإعلامي العُماني. إن حالة السلبية والانتقادات للأداء ، ما كان ليتأتى لولا تراجع وانهيار قلاعنا وخطوط دفاعنا الإعلامية لضعف وقلة الإمكانيات لديها في مواجهة الانتقادات السلبية عبر وسائل التواصل الاجتماعية الهادرة، فهل نصمت إزاء ذلك أم إن الأمر يتطلب تعزيز وسائل الإعلام كافة لكي تؤدي دورها فيما تشهده السلطنة. إن إدارة الرأي العام وتوجيهه تتطلب إمكانيات وإرادة في توجيهه لخدمة أهداف الدولة ومعالجة مقتضيات الواقع، لكن للأسف الواقع غير ذلك، وهو ما يعطل مسارالتطوير في البلاد نحو الأفضل، تاركين الأمر للصدفة لتفعل ما تراه مناسبا ونتعامل معها كردود أفعال ليس أكثر. بالطبع نتفهم الظروف الاقتصادية التي تعيشها الدولة في هذه الفترة وانعكاساتها على العديد من المجالات، لكن في المقابل فإن وسائل الإعلام من الأولويات في سلم العمل الوطني باعتبارها هي الوسائل التي يمكن من خلالها توعية المجتمع بهذه الظروف والمعطيات الراهنة، ولكن إذا أغلقت فكيف لنا أن نقوم بذلك، بل حتى في أوج الأزمات المالية تحتاج الدول إلى إعلام قوي قادر على شرح المستجدات والمتغيرات الراهنة وكيفية مواجهتها، وليس إعلاما منكمشا يعاني من قلة الإمكانيات وضعف الدعم، هو ما يجب أن تدركه الحكومة أن هذا الوضع غير مريح لها أيضا. نأمل أن لا يتم التعاطي مع إغلاق الصحف والمجلات ووسائل الإعلام كافة، كإغلاق الشركات التجارية وتصفية حساباتها، فالأمر مختلف كليا وسندرك خطورة هذا التعاطي آجلا أم عاجلا وانعكاساته السلبية على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتنموي، بل إننا في حاجة ماسة إلى تقوية وتعزيز إعلامنا الوطني ليقوم بدوره كاملا كما أراد له جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه.