ميانمار والتنوع العرقي

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٩/أكتوبر/٢٠١٧ ٠٤:١٥ ص

براهما تشيلاني

بدأ الجيش الميانماري مؤخراً بشن حملة وحشية ضد جماعة الروهينجا، وهي أقلية عرقية مسلمة مهمشة، يسارع مئات الآلاف منهم بالفرار إلى بنجلاديش والهند وبلدان أخرى. لقد أدان المجتمع الدولي هذه الحملة. ولكن خلال القيام بذلك، فشل في الاعتراف بأن مقاتلي الروهينجا يشنون حربا جهادية في البلاد - حقيقة تجعل من الصعب للغاية كسر حلقة الإرهاب والعنف.

وتقوم ولاية راخين، حيث يسكن معظم روهينجا ميانمار، بجلب الجهاديين من كل مكان. ومن المحتمل أن يكون لدى المسلحين المحليين علاقات مع تنظيم داعش وتنظيم القاعدة ومنظمات إرهابية أخرى. وعلاوة على ذلك، فإنهم يتلقون على نحو متزايد مساعدات من المنظمات المرتبطة بالمتشددين في بلدان من الشرق الأوسط وجنوب غرب أسيا. كما تقود مجموعة المتمردين الرئيسية - جيش خلاص روهينجا في آراكان، المعروفة أيضا بحركة اليقين - لجنة المهاجرين الروهينجا المقيمة في إحدى دول الشرق الأوسط.
وتتحمل القوى الخارجية التي تثير هجمات المتمردين في راخين مسؤولية كبيرة في أزمة الروهينجا الحالية. والواقع أن وسائل التواصل بين مقاتلي الروهينجا والقوى الخارجية، ولاسيما المنظمات الإرهابية مثل داعش، هي التي دفعت حكومة الهند، حيث استقر نحو 40.000 من الروهينجا بصورة غير مشروعة، للإعلان بأن دخولهم يشكل تهديدا أمنيا خطيرا. حتى بنجلاديش على علم بالصلات الجهادية الخارجية للروهنجيا.
ولكن الحقيقة هي أن «الجهادية» في ميانمار كانت موجودة منذ عقود، فهي إرث من الاستعمار البريطاني. وعلى كل حال، كان البريطانيون الذين نقلوا منذ أكثر من قرن من الزمن أعــــدادا كبيـرة من الروهينجا من ولاية البنغال الشـــرقية للعــــمل في مزارع المطاط والشــــاي في بورما، التي كانت تـــدار كمقاطـــعة في الهند حتى الـــعـــام 1937.
وفي السنوات التي سبقت حصول الهند على الاستقلال من بريطانيا في العام 1947، انضم مسلحون من الروهينجا إلى الحملة لإنشاء باكستان كأول جمهورية إسلامية في فترة ما بعد الاستعمار. وعندما قرر البريطانيون، الذين حولوا استراتيجية «التقسيم والحكم» إلى فن، إنشاء جناحين منفصلين من باكستان على جانبي الهند المقسمة، بدأ الروهينجا في محاولة إخراج البوذيين من شبه جزيرة مايو التي يهيمن عليها المسلمون في شمال راخين. كما أرادوا انفصال شبه جزيرة مايو وأن تضمها باكستان الشرقية (التي أصبحت بنجلاديش في العام 1971).
ودفع الفشل في تحقيق هذا الهدف العديد من الروهينجا إلى الجهاد المعلن. وقد بدأ بعض المتطرفين المحليين بتنظيم هجمات على القوات الحكومية والاستيلاء على الأراضي في شمال راخين، وإنشاء دولة داخل الدولة. وبعد أشهر من حصول ميانمار على الاستقلال في العام 1948، أعلن عن القانون العرفي في المنطقة؛ واستعادت القوات الحكومية السيطرة الإقليمية في أوائل الخمسينيات.
لكن النزعة في الروهينجا استمرت في النمو، مع شن بعض المتطرفين الهجمات بشكل متقطع. وفي العام 2012، اندلعت اشتباكات دموية بين الروهينجا والراخينيين العرقيين، الذين كانوا يخشون أن يصبحوا أقلية في وطنهم الأم. وقد شرد العنف الطائفي الذي أحرقت فيه العصابات المتنافسة القرى وحوالي 140.000 شخص (معظمهم من الروهينجا)، وساعد ذلك على تحويل نزعة الروهينجا إلى التمرد الكامل، حيث شن المتمردون هجمات عدوانية على قوات الأمن.
وقد نفذت مؤخراً هجمات مماثلة ضد قوات الأمن، وفي بعض الحالات، ضد مدنيين من غير الروهينجا، مع تصاعد العنف خلال الإثني عشر شهرا الفائت. وفي الواقع، أدت موجة من هجمات المتمردين المتفجرة المنسقة على 30 مركزا للشرطة وقاعدة للجيش في 25 أغسطس إلى الهجوم العسكري العنيف الذي أخرج الروهينجا من راخين ولم يفرق بين المتسببين بالهجمات وبين الإبرياء.
إن كسر دائرة الإرهاب والعنف في ميانمار لعقود من الزمن سوف يتطلب من البلاد معالجة التوترات الطائفية العميقة التي تدفع الروهينجا نحو الجهادية. وتعد ميانمار واحدة من أكثر بلدان العالم تنوعا عرقيا. كما أن موقعها الجغرافي يجعلها جسرا طبيعيا بين الجنوب وجنوب شرق آسيا، وبين الصين والهند.
ولكن ميانمار فشلت داخليا في بناء جسور بين مختلف جماعاتها وثقافاتها العرقية. ومنذ الاستقلال، سمحت الحكومات التي تسيطر عليها أغلبية بورمان في ميانمار بالنزعة القومية ما بعد الاستعمار لتولد الصراع أو الحرب الأهلية مع العديد من الأقليات في البلاد، والتي اشتكت من نظام الميز العنصري الجغرافي.
ويواجه الروهينجا التهميش الأكثر تطرفا. كما أن الروهينجا، الذين يعتبرون غرباء حتى من قبل أقليات أخرى، غير معترف بهم رسميا كأحد المجموعات الإثنية في ميانمار، والتي يبلغ عددها 135 مجموعة. وفي العام 1982، أصدرت الحكومة القلقة بسبب الهجرة غير الشرعية من بنجلاديش، قانونا يجرد الروهينجا من جنسيتهم، وتركهم بلا جنسية.
وقد دافعت الحكومات المتعاقبة عن هذا النهج، بحجة أن الحركات الانفصالية السابقة تشير إلى أن الروهينجا لم يكونوا جزءا من البلاد. والواقع أن التصنيف المشترك للروهينجا كعديمي الجنسية «البنغاليين» يعكس وضع الروهينجا المنفيين في بلاد أحلامهم، باكستان، حيث لجأ عشرات الآلاف خلال القتال العسكري والذي أدى إلى استقلال بنجلاديش.
ومع ذلك، فإن فشل ميانمار في بناء هوية وطنية شاملة قد سمح للمنافسات العرقية القديمة بمواصلة تأجيج الإرهاب، مما يعيق إمكانيات البلاد الغنية بالموارد. وما تحتاجه ميانمار الآن هو نظام اتحادي منصف يستوعب أقلياتها العرقية الكثيرة التي تشكل قرابة ثلث السكان ولكنها تغطي نصف مجموع مساحة الأرض.
وتحقيقاً لهذه الغاية، من الأهمية بمكان أن يوقف الجيش الميانماري فوراً انتهاكات حقوق الإنسان في راخين. وسيكون من المستحيل تخفيف التوترات إذا كان الجنود يستخدمون القوة بكثرة، ويستهدفون المدنيين؛ في الواقع، فإن مثل هذا النهج سيؤدي للفشل وتصاعد للتطرف. لكن بما أن المجتمع الدولي يضغط على الزعيم الفعلي لميانمار أونغ سان سو كي لاتخاذ إجراءات أقوى لحماية الروهينجا، فإنه من الحيوي أيضا معالجة التاريخ الطويل للتطرف الذي ســــاهم في محنة المجموعة العرقية الحالية.

أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز مقره نيودلهي لأبحاث السياسات وزميل في أكاديمية روبرت بوش في برلين.