فيصل المسكري
موهوم مَن يظن نفسه مستغنياً عن الآخرين مهما بلغت به المناصب والمراتب الدنيوية وإنه القادر -بعد قدرة الله- على صنع نجاحه بل حتى المحافظة عليه والاعتداد به دون مراعاة من حوله أو حتى الاكتراث بهم، ومصدر الوهم يكمن لدى هذه الفئة بأن الحياة على وجه ووتيرة واحدة، وتناسوا المقولة الشهيرة أنّ «مَن ضحكت له الدنيا يوماً قد تكشر عن أنيابها في وجهه يوماً آخر» وأنّ مَن أعطته الأيام من نصيبها حيناً من الدهر وهو لم يكن شيئاً مذكوراً قد لا تلبث إلا وأن تستعيد منه ما أعطته فهذه سنة الحياة ودوام الحال من المحال.
إنّ تجارب مدرسة الحياة قد لا يتعلم منها البعض ويظنون في لحظة ما أنّ الزمن خارج من معادلة الحياة، وأنّ بإمكانهم أنْ يحكموا غلق جميع الأبواب أو حتى النوافذ أمام مَن لا يحتاجون إليهم في صعودهم للقمة ولا يركنون إلا لمَن يكون سلماً سهلاً لارتقائهم بوجه من الوجوه، ولكن في برهة من الزمن قد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وتنقلب الموازين بأحدهم ويسقط على الأرض فلن يجد إلا من تركهم هناك وتجاهلهم في فترة نشوة الأضواء والنجاحات وستكون درجات سلمه كما هو معلوم أمراً مقضياً مشغولةً بغيره وهذه هي {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} حيث قال أحد الفلاسفة العظماء «كن لبقاً ومتواضعاً حين تقابل وتصافح الناس وأنت تصعد لربما تقابلهم وأنت تهوي».
إن العاقل اللبيب مَن يرى في الدنيا أكثر من مجرد التمييز الدنيوي فالتنوع بين البشر والأجناس والأعراق والأديان من سنن الحياة يقول عز من قائل{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، وحين يتعامل الإنسان فإنه يتعامل مع القيمة الإنسانية السمحة فهي لا تنضب.
إن الرصيد الإنساني الأخلاقي هو الرصيد الرصين الأعظم «وهنا يذكرنا قول الحق تعالى واصفاً الرسول {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} لأنه لا يقاس بمدى نجاحك المادي بل يقاس بمدى إنسانيتك وتقديرك لجوهر الكرامة وكيان الإنسانية وحسن التعامل من مبدأ لا ضرر ولا ضرار، فلا يمكن أن تلتمس مبرراً أخلاقياً لمَن أزهرت في كفه النجاحات المؤقتة أن يغسل يديه إن صح التعبير من علاقاته بالآخرين ويتجاهل تماماً مكانتهم أياً كانت وأحجامهم مهما بلغت، لأنه حين يقع -لا قدّر الله- حتماً سيمد يديه لمَن حوله من الأقربين ولن يجد من يقيل عثراته وهذه هي الدنيا فالحذر الحذر من مغبة وهم النجاح.
الشاهد من القول إن على الكيّس الفطن ألا تشغله نهارات نجاحه عن توقع ليل إخفاقه، فليتواضع لمَن حوله فهو بهم قد تألق ونجح، ويحسن سبر أغوار الناس فمنهم الصالح ومنهم الطالح والكثيرون لا يتفننون إلا في فن التطفل على موائد الناجحين البارزين، وحين تلوح بوادر التراجع والتقهقر فيهم يتركونهم وشأنهم ويبحثون عن موائد أخرى يتطفلون حولها والمجتمعات حقيقةً مليئة بأساطير الأولين ولكن ليس الفشل في أن تخفق أو تقع بعد تألق ونجاح فإذا أسأت التخطيط فقد خططت للفشل ولكن الفشل الحقيقي في أن تجد نفسك حين السقوط وحيداً وقد تقطعت بك الأسباب يومئذ فتفقد خيوط التواصل مع أقرب الناس إليك أحياناً وتتضح الرؤية بعد غشاوة النجاح لتجد للأسف الشديد بعد فوات الأوان أن الكثيرين قد أمسوا خارج نطاق التغطية.