كريس باتن
تعد زيارة مدينة هونج كونج متعة حقيقية ومع هندسة المدينة المعمارية الحديثة الشاهقة حول الميناء المزدحم يجب أن تحتل هذه المدينة العظيمة والمثيرة موقع الصدارة من بين الوجهات الحضرية الأكثر متعة في العالم ولكن هونج كونج تتعرض الآن للضغط لأنها تجد نفسها في قلب عدد من القضايا والتحديات بما في ذلك كيفية التوصل لأفضل السبل من أجل تحقيق التوازن بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية وكيفية التعامل مع الصين التي تزداد حزماً وطموحاً بشكل كبير علما أن هذا هو الذي سيحدد آفاقها المستقبلية في هذا القرن.
تعتمد آفاق هونج كونج بشكل أساسي على تطبيق مبدأ «دولة واحدة ونظامان» الذي وضعه دنغ شياو بينغ ليكون أساساً لعودة هونج كونج النهائية للصين في العام 1997 وكانت الفكرة التي اعتقد ميلتون فريدمان بأنه يستحيل عملها بشكل متوازن هي أن هونج كونج سوف تبقي على اسلوب حياتها والحريات والقوانين حيث سكانها قادرون تماماً على إدارة مدينتهم وفقط يجب عليهم ببساطة أن يفعلوا ذلك كجزء من الصين.
لقد تمكن مبدأ «بلد واحد ونظامان» ببراعة من تحقيق التوازن بين الطموحات والمخاوف والصعوبات الناجمة عن تغيير السيادة من بريطانيا إلى الصين وبالنسبة للصين، كان هناك الإذلال المزعج في التنازل عن أراضيها إلى قوة إستعمارية خلال عهد أسرة تشينج حيث جعل الإمبرياليون من جميع أنحاء العالم الصين تعاني أوقاتا عصيبة وكانوا يتصرفون بطريقة لا يمكن لأحد اليوم تبريرها أو أن يحاول تبريرها وقد شكل إجبار الصين على الانفتاح على تجارة الأفيون أحد الفصول الشائنة والمثيرة للجدل في التاريخ الإمبريالي البريطاني.
ولكن أكثر شيء أزعج الحزب الشيوعي الصيني هو أن القوة الإستعمارية كانت ناجحة جدا مع شعب الصين في هونج كونج في بناء مدينة مزدهرة وسعيدة بشكل كبير والتي أصبحت مقصداً يجتذب العديد من الرجال والنساء والاطفال الصينيين وإذا كانت الشيوعية الصينية هي موجة المستقبل فلماذا فر الكثيرون منها وتسلق العديد منهم الأسوار ذات الأسلاك الشائكة وسبحوا في المياه الخطرة للعيش تحت الحكم الاستعماري؟
أما من الجانب البريطاني، كانت هناك تحديات مقلقة بنفس القدر وكانت بريطانيا بحاجة إلى تحديد أفضل السبل لإقامة علاقة بناءة مع بلد مثل الصين مصمم على إستخدام التجارة كسلاح مع الوقوف مع الحقوق والحريات التي وعد بها شعب هونج كونج و لقد أثار التسليم في هذا الصدد مسائل أساسية و معقدة بشأن الأخلاق السياسية.
قبل أن أغادر هونغ كونغ في العام 1997 و بعد أن تركت منصبي بصفتي آخر حاكم بريطاني في المدينة، قمت بزيارة مستشفى للأمراض العقلية حيث سألني أحد المرضى سؤال عقلاني رائع وهو كيف يمكن للبلد الذي يفخر بديمقراطيته العميقة الجذور أن يسلم هونج كونج إلى آخر دولة شيوعية كبيرة في العالم دون أن يأخذوا برأي مواطنيها ؟
والجواب هو أن هذه الأسئلة لم تكن أبدا أحد الخيارات إذا أردنا الوفاء بالتزاماتنا طبقا للمعاهدة وتجنب تكرار الإستعمار الكارثي الذي حدث في القرن التاسع عشر و مع ذلك، كان ينبغي لنا بالتأكيد أن نفعل الكثير لإدخال وترسيخ المؤسسات الديمقراطية في هونج كونج كما فعلنا لضمان سيادة القانون وحماية الحريات المدنية ومن بين الأسباب التي دفعتنا إلى التحرك ببطء أكبر بشأن الديموقراطية هو أن قادة الصين أوضحوا أنهم يخشون أن يعتقد أهالي هونج كونج أنه يتم تمهيد الطريق لتصبح هونغ كونغ دولة مستقلة مثل سنغافورة.
لقد بدا أن مبدأ «بلد واحد ونظامان» في السنوات القليلة الأولى بعد العام 1997 يعمل بشكل جيد على الرغم من أن الصين نكثت بوعودها عن طريق عرقلة التطور الديمقراطي ولكن في الآونة الأخيرة وخاصة منذ العام 2012، عندما تولى الرئيس شي جينبينج السلطة شددت الصين من قبضتها على هونج كونج.
يرتبط ذلك على الأرجح بحملة الحكومة الأوسع نطاقاً لقمع المنشقين والقوة الإقتصادية المتزايدة للصين، والتي تجعل من هونج كونج اكثر انفتاحا على العالم أقل أهمية لإزدهار الصين في المستقبل بالإضافة إلى عدم فهم المعنى الحقيقي لنظام هونغ كونغ والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان مبدأ «بلد واحد ونظامان» سوف يتم إختصاره ليصبح مبدأ «بلد واحد ونظام واحد ونصف» أو الأسوأ من ذلك أن يصبح مبدأ «بلد واحد ونظام واحد».
ومما لا شك فيه أن الصين تتدخل بشكل متزايد في الشؤون الداخلية لهونج كونج ولقد تركزت المخاوف في الآونة الأخيرة على معاملة بعض قادة مظاهرات هونغ كونغ المؤيدة للديمقراطية لعام 2014 حيث حكم على ثلاثة من أكثر النشطاء تأثيراً في المدينة بالسجن لمدة تصل إلى ثمانية أشهر بسبب أنشطتهم ومنعوا من تولي المناصب العامة لمدة خمس سنوات.
وقد تبدو ثلاث سنوات وكأنها فترة طويلة للانتظار قبل التصرف بحزم ولكن مما لا شك فيه أن النظام القضائي في هونج كونج قد تصرف وفقا للقانون و المشكلة هي أن الإدانات قد حصلت على خلفية الخوف والانقسام نتيجة لسلوك الحكومة.
هاجمت الصين، على سبيل المثال، استقلال القضاء في هونج كونج حيث دعا ريمسكي يوين وهو وزير العدل في هونج كونج إلى إعادة النظر في الأحكام التي تم تنفيذها بالفعل، والتي اعتبرها متساهلة للغاية وحتى عندما بدا وكأن مسؤولين مثل يوين يقومون بالدفاع عن حكم القانون قام رجال الأمن الصينيون باختطاف سكان من هونج كونج بما في ذلك عدد من بائعي الكتب.
ولتخفيف المخاوف والسماح لهونج كونج بالمضي قدما توجد ثلاثة أشياء مطلوبة وهي: أولا، يجب أن توضح الصين من خلال أعمالها أنه يمكن الوثوق بها للوفاء بوعودها لهونج كونج كما ينبغي للمجتمع الدولي من أجل المساعدة على ضمان هذه النتيجة أن يذكرها مرارا وتكرارا بالتداعيات الأوسع نطاقا لإن يتم النظر اليها كشريك لا يمكن الوثوق به.
ثانيا، يتوجب على الناشطين من أجل الديمقراطية في هونج كونج ألا يسمحوا لحملتهم من أجل الديمقراطية أن تتحول إلى دعوة للإستقلال ويجب على الحكومة من جانبها فتح حوار معهم يتسم بالإحترام المتبادل والشفافية.
و أخيرا، يجب أن لا يتخلى شعب هونج كونج عن الأمل كما يأمل الشيوعيون الصينيون وإذا ظل شعبها حازماً في التزامه فإن هونج كونج سوف تظل مدينة حرة كبيرة تختار من يحكمها تحت حكم القانون.
تعد مدينة هونج كونج مثالاً ساطعاً لبقية العالم حول ما يمكن للرجال والنساء الصينيين تحقيقه مع وجود الحرية التي يأخذها الملايين من الناس كأمر مفروغ منه ويجب على شعبها أن لا يشعر باليأس وأن يتخلى عن تلك الحرية وأنا أعتقد أنه لن يتخلى عنها.
آخر حاكم بريطاني لهونج كونج