اليمن والطريق إلى طوق النجاة

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٨/سبتمبر/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
اليمن والطريق إلى طوق النجاة

علي ناجي الرعوي

كانت الحرب الجارية في التضاريس الجغرافية والسياسية والقبلية لليمن هي الغائب الأبرز على المنصة الأممية للدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بمدينة نيويورك مما بدا صادمًا للكثير من اليمنيين الذين لم تتوقع كتلة كبيرة منهم مثل ذلك التجاهل الدولي للكارثة الإنسانية التي تلفح بنارها أجسادهم وتأتي على الأخضر واليابس مما تبقى من مظاهر الحياة في بلادهم سيما وهم من يعلمون أن الحرب المستعرة على أرضهم منذ مارس 2015 ما كان لها أن تستمر كل هذا الوقت من دون غطاء دولي، ودون ضوء أخضر أمريكي فأي حرب مهما بدت أسبابها المحلية والداخلية وجيهة لا تمتلك مقومات الاستمرار من دون حاضنة دولية ومحفزات من مراكز القرار في الدول الكبرى.

لقد كان لافتا بالفعل أنه وعلى الرغم من الأدوار الدولية المتوغلة في الملف اليمني أن يتغاضى جميع (الكبار) عن ما يحدث في اليمن من المآسي والمحن التي تحيق بملايين البشر والتي طالما سعت المنظمات الحقوقية والإنسانية لتذكير أولئك القادة بها والمآسي التي تخلفها لكن لا أحد منهم كان مهتمًا بالالتفات لهذا الأمر فقد تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمرة الأولى من على منصة الأمم المتحدة عن جميع الصراعات والحروب التي تغذي التوترات في منطقة الشرق الأوسط لكنه الذي لم يشر ولو بصورة غير مباشرة إلى الحرب في اليمن.. بل إن الرئيس ترامب الذي كان حريصًا في ذلك الخطاب على محو أثر سياسات سلفه الرئيس باراك أوباما في المنطقة كان حريصًا أيضا على إبقاء تركة ذلك السلف فيما يتصل بالحرب الجارية باليمن.. وبذات الطريقة تجنب العديد من قادة الدول الكبرى الخوض في الملف اليمني على نحو اعتبره البعض كمؤشر على أن اليمن تشكل في نظر العالم بيئة منخفضة الثمن، وليست مصدر إغراء في منظومة المصالح والعلاقات الدولية، وبالتالي فقد كان من الطبيعي أن لا تكون اليمن على سلم أولويات الأجندة الدبلوماسية لقادة الدول الكبرى في ذلك المحفل الأممي.

يقينا أن الدول الكبرى لها موازين تختلف من بلاد إلى أخرى وحين نقف على صورة هذا الاختلاف من الصعب أن نقابل الحالة اليمنية صراحة أو ضمنا بالحالة الليبية أو حتى السورية فالمجتمع الدولي الذي يبرر تدخله في الحالتين الأخيرتين بالدفاع عن قيم يدعي أنها في صلب القوانين والمواثيق الدولية هو نفسه من لا يكترث بمثل هذه القيم في الحالة اليمنية مما يوحي بلا ريب أن عناصر الاقتراب والافتراق في المواقف لا تحكمها مرجعيات قانونية أو سياسية أو أخلاقية وإنما طبيعة المصالح للأقطاب من وراء هذه الأزمة أو تلك ويستطيع أي مراقب أن يلحظ مثل هذه الانتقائية أو الاستنسابية في مقاربة القوى والمؤسسات والمرجعيات الدولية ذاتها للازمات والصراعات المشتعلة في المنطقة فما تقبله للتسوية في ليبيا على سبيل المثال هي من لا تقبله في اليمن أو في سوريا مع أن أبسط قيم العدالة تقتضي أن تكون هناك معايير موحدة لتسوية النزاعات والحروب تكون بمثابة مدونة سلوك ملزمة للمبعوثين الأمميين وللرعاة الدوليين للحروب والحلول.

في آخر مقابلة له مع صحيفة القدس العربي قال الرئيس اليمني المعترف به دوليا عبد ربه منصور هادي أن تأرجح المواقف الدولية يعود إلى أن المجتمع الدولي تتجاذبه اليوم رؤيتان بشأن الأحداث باليمن الأولى وهي الرؤية الأمريكية التي تميل إلى فكرة السلطة الشرعية بحسب المواجهة عسكريًا وفي المقابل تأتي الرؤية الثانية التي يتبناها الجانب الأوروبي والذي يعتقد أن الحل في اليمن ليس عسكريا وإنما سياسيًا يمكن الوصول إليه عن طريق الحوار والتفاوض وقبل أن يصرح الرئيس هادي بهذه المعلومة كان جليا أن ما آلت إليه الأوضاع في اليمن هو نتاج الرهانات الإقليمية والدولية المتضاربة والتي جعلت من الصراع في هذا البلد هو الأسوأ في كل الصراعات والحروب التي تشهدها المنطقة هذا إن لم تكن تلك الرهانات قد حولت الحرب في اليمن إلى حرب تستنزف القطاع الأكبر من سكانه وتطيل أمد معاناتهم، والسبب أن كل القوى سواء تلك التي تؤيد خيار الحسم العسكري أو الأخرى التي تقف إلى جانب الحلول السلمية لا تستند في رهاناتها إلى معطيات الواقع وإنما على تقديرات وتصورات غير دقيقة وما تجهله معظم الأطراف المتدخلة في الملف اليمني والحرب التي تقترب من إكمال عامها الثالث هو أن هذه الحرب باتت تفرض شروطها على الجميع وعلى النحو الذي أسقطت معه العديد من الخيارات العسكرية والسياسة بما في ذلك المبادرات السابقة واللاحقة للتسوية السلمية وآخرها المبادرة الجزئية التي يطرحها المبعوث الاممي إسماعيل ولد الشيخ والمكونة من أربع نقاط.
وبقدر ما تبدو الحرب في اليمن توليفة استثنائية لجملة من المتناقضات السياسية التي تحركها قوى داخلية وخارجية مستفيدة من إطالة أمدها فانه ليس مستغربا أن تتحول الحرب في اليمن بكل تعقيداتها ومعاناة مواطنيها إلى عبء ثقيل على اللاعبين الإقليميين والدوليين وهو ما أصبحت تستشعره ربما هذه الأطراف ويمكن استشراف ذلك من إدراكها لحقيقة أن المستوى والطريقة التي تم التعامل بهما مع اليمن لا يوحيان من أن الخروج من الحرب سيكون سهلا ولذلك فهي الآن أكثر استعدادا لاستغلال أي فرصة من شأنها أن تمثل أرضية انطلاق لعملية سياسية سلمية يمكن الثقة بها محليا ثم إقليميا ودوليا من اليوم قبل غد.

إن السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه في هذه اللحظة والذي قد تقود الإجابة عليه الى الأمل والتفاؤل: هل أصبحت الطريق الى طوق النجاة معروفة للجميع ؟ نجزم أن هذه الطريق باتت ممهدة وفي انتظار بدء الخطوة الأولى وبالذات وقد تعززت القناعة لدى الأطراف الإقليمية من أن فشل اليمن ستكون له تداعيات خطيرة على الإقليم كله وأنه ومهما كانت تناقضات الأجندات فإن السلام بوسعه إذابة مثل هذه التناقضات وإنهاء تعقيدات ما يقارب ثلاثة أعوام من الحرب إذا ما أحسن الفرقاء والخصوم النوايا واستوعبوا فعلا أن السلام هو طوق النجاة للجميع.