كيف يمكن أن تنجح العقوبات الاقتصادية على كوريا الشمالية؟

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٨/سبتمبر/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص

ياشينج هوانج

لقد أطلق الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ-أون في الأسبوع الفائت صاروخا باليستيا فوق جزيرة هوكايدو اليابانية شمال اليابان، مما يشكل تحدياً صارخاً للعقوبات الجديدة الصارمة التي فرضتها الأمم المتحدة، وتعد هذه ثاني عملية إطلاق للصواريخ على اليابان في أقل من ثلاثة أسابيع ولكن خطوة كيم تلك لا تعني بأن العقوبات لم تجدي نفعاً بل تظهر أنها ليست صارمة بما فيه الكفاية.

إن آخر تلك العقوبات هي تلك التي تحد من واردات النفط وتحظر صادرات المنسوجات بالإضافة إلى معاقبة كيانات حكومية كورية شمالية محددة وعقب ردة فعل كيم تلك يتوجب تشديد تلك العقوبات وذلك بوقف جميع أشكال التجارة مع كوريا الشمالية بما في ذلك وقف جميع واردات الوقود.

تعتبر كوريا الشمالية واحدة من أكثر البلدان عزلة في العالم إذ إن هذه العزلة هي لعنة للشعب الكوري الشمالي الذي عانى طويلا ولكنها ميزة لإستراتيجية قائمة على العقوبات لأننا نحتاج إلى بلد واحد فقط لإنجاح تلك الإستراتيجية وهي الصين.
من الناحية الاقتصادية، فإن الصين هي البلد الوحيد الذي يهم كوريا الشمالية حقا حيث إنها تسيطر على حوالي 90٪ من التجارة الخارجية لكوريا الشمالية وتزودها بكامل إمداداتها من الوقود تقريبا، ومع ذلك فإن اقتصاد الصين بالكاد يتأثر من العقوبات الجديدة: فالناتج المحلي الإجمالي السنوي لكوريا الشمالية الذي يبلغ قرابة 28 بليون دولار لا يعني الشيء الكثير بالنسبة لجاراتها العملاقة.
إن الافتقار إلى البدائل التجارية المجدية وعدم التماثل الكبير في القوة بين كوريا الشمالية والدول التي تفرض العقوبات يعني أن فرض نظام عقوبات أكثر صرامة من شأنه أن يدفع البلد إلى الزاوية والسؤال هو ما إذا كانت المشقة الاقتصادية ستحث كوريا الشمالية على تغيير سياستها النووية، وعلى الرغم أن من المستحيل التأكد من ذلك فإن التمعن بالجوانب الاقتصادية لبرنامج كوريا الشمالية النووي يجعلنا نعتقد بإمكانية نجاح ذلك.
وعلى النقيض من الشعور العام فإن الأسلحة النووية هي أسلحة الفقراء فهي رخيصة للغاية مقارنة بالأسلحة التقليدية وكان ذلك هو الأساس المنطقي الذي دفع الاتحاد السوفييتي إلى زيادة الترسانة النووية السوفياتية بشكل كبير إذ اعترف القادة السوفيات بأنهم لا يستطيعون التنافس مع الأسلحة التقليدية للولايات المتحدة الأكثر ثراء حيث ركزوا موارد بلادهم المحدودة على إنشاء ترسانة نووية مدمرة محتملة.
وبالمثل، فإن تركيز كوريا الشمالية على الأسلحة النووية بدلا من الأسلحة التقليدية قد يساعدها في التقليل من إمكانية أن تضطر للاختيار بين البنادق والطعام وهناك تقارير بالفعل عن بعض الحيوية في الاقتصاد الكوري الشمالي مع وجود أسواق مليئة بالسلع ومباني جديدة قيد الإنشاء وبالتالي، هناك حاجة إلى فرض عقوبات أشد لزيادة الثمن الاقتصادي الذي يجب أن يدفعه النظام من أجل برنامجه النووي.
وحتى لو لم تغير كوريا الشمالية سياستها فإن العزلة الاقتصادية الكاملة قد تؤدي إلى إنهاء برنامجها النووي وذلك عن طريق زرع بذور الخلافات الداخلية مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام و تأمل الصين مع ذلك في تجنب هذه النتيجة بالتحديد وهو سبب رئيسي لرفضها حتى الآن تصعيد العقوبات.
تشعر الصين بالقلق من أن انهيار نظام كيم سيؤدي الى حدوث أزمة كبرى للاجئين حيث يتدفق الملايين من الكوريين عبر الحدود مع الصين بحثا عن الغذاء والمأوى والأمن مما يفرض تكلفة اقتصادية واجتماعية هائلة على الصين، وعلاوة على ذلك يخشى القادة الصينيون فقدان كوريا الشمالية بسبب كونها منطقة عازلة تفصل الصين عن القوات الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية ونظرا للاعتقاد السائد في دوائر السياسة الصينية بأن الولايات المتحدة تأمل سرا في خوض غمار الحرب الكورية مجدداً وإقامة كوريا واحدة متحالفة مع الولايات المتحدة على الحدود الصينية، فإنه لا ينبغي التقليل من قوة هذا القلق.
تدرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأهمية المركزية للصين في أي إستراتيجية لكبح طموحات كوريا الشمالية النووية ولكن الولايات المتحدة اعتمدت حتى الآن على تهديدات مثل وقف 650 بليون دولار ضمن التجارة الثنائية لإقناع الصين بالتعاون معهم وهذه ليست عصا ولكن عصا مقوسة مرتدة والتي سوف تضرب الصين وتعود فورا إلى صفع الولايات المتحدة.
والمطلوب بدلا من ذلك هو «الجزرة» إذ إن إقناع الصين بعزل كوريا الشمالية إقتصاديا سوف يتطلب من المجتمع الدولي أن يكون هناك توافق بشأن كيفية معالجة إنهيار النظام بهدف تهدئة المخاوف الرئيسية للصين.
بادئ ذي بدء، يجب على المجتمع الدولي بأسره ولا سيما الولايات المتحدة التعهد صراحة بعدم محاولة تغيير طبيعة النظام الكوري الشمالي وهذا يعني أنه إذا انهار نظام كيم فإن الولايات المتحدة لن تسعى إلى إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية ويجب على الصين بدلا من ذلك ممارسة الوصاية السياسية الأولية على كوريا الشمالية في حالة ظهور فراغ سياسي ومهما يحصل لن تعبر القوات الأمريكية والكورية الجنوبية خط العرض 38.
كما أن إقناع الصين بفرض عقوبات يحتمل أن تدمر النظام سيتطلب أيضا تعهدات اقتصادية مع التزام المجتمع الدولي بأسره - وخاصة الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية - بتقاسم التكاليف الضخمة لإيواء اللاجئين وإعادة بناء اقتصاد كوريا الشمالية وفي حين أن الصين ستغطي حتما جزءا كبيرا من هذه التكاليف نظرا لقربها الجغرافي وروابطها التاريخية مع الشمال فإنها تحتاج إلى طمأنتها بأنها لن تتحمل العبء وحدها.
يذكرنا هذا النهج إلى حد ما وباعتراف الجميع بالنهج الذي تم تبنيه في مؤتمر يالطا العام 1945 حيث قام قادة الاتحاد السوفياتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بتقاسم مناطق نفوذ جيوسياسية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ولذلك، من المتوقع أن تكون هناك اعتراضات أخلاقية وأيدولوجية.
ولكن حان الوقت لنكون أكثر واقعية إذ إن التهديد النووي الذي تشكله كوريا الشمالية خطير وفوري ويتطلب استجابة جريئة حيث إن هذا ليس وقت أن نشعر بأننا مقيدون بالاتفاقيات والأيديولوجيا فقد حان الوقت للقيام بكل ما هو مطلوب لنزع فتيل التوترات النووية وحماية أرواح أولئك الذين يعيشون في مرمى نظام كيم.
والصين هي الدولة الوحيدة التي تملك القوة لإجبار كوريا الشمالية على تغيير سياستها النووية ويجب أن يكون إقناع الصينيين باستخدام تلك القوة أولوية قصوى لقادة العالم.

* أستاذ الاقتصاد السياسي والأعمال في مدرسة «سلوان» للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتقنية.