تكنولوجيا المعلومات والثروة والدخل

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٧/سبتمبر/٢٠١٧ ٠٣:٣٤ ص

موردخاي كورز

على مدار أكثر من ثلاثين عاماً في الاقتصادات المتقدمة، وخاصة الولايات المتحدة، كان التفاوت في الثروة والدخل في ازدياد مستمر، وكان ارتفاع الأجور الحقيقية (المعدلة تبعا للتضخم) بطيئا، وواجه المتقاعدون انخفاض أسعار الفائدة على مدخراتهم. وقد حدث كل هذا في حين سجلت أرباح الشركات وأسعار الأسهم ارتفاعات حادة. والآن، يُظهر بحث أجريته شخصيا أن هذه التغيرات كانت في المقام الأول راجعة إلى صعود تكنولوجيا المعلومات الحديثة.

الواقع أن تكنولوجيا المعلومات أثرت على الاقتصاد على أكثر من نحو؛ فقد ساعدت أجهزة الكمبيوتر، وشبكة الإنترنت، وتكنولوجيا الهاتف النقال في تحويل وسائل الإعلام، وتجارة التجزئة على شبكة الإنترنت، وصناعة المستحضرات الصيدلانية، وعدد لا يُحصى من الخدمات الأخرى المتصلة بالمستهلكين. لقد حسنت تكنولوجيا المعلومات الحياة بشكل هائل.

ولكن من خلال تمكين صعود القدرة الاحتكارية، وتيسير إقامة الحواجز التي تحـــول دون الدخول، خَلَّف نمو تكنولوجيا المعلومات أيضا آثارا جانبية ســلبية كبرى على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والســياســـية، بما في ذلك انتشار «الأخبار المزيفة».

فبادئ ذي بدء، تسمح بنية قطاع تكنولوجيا المعلومات بتشكل القدرة الاحتكارية. فقد عملت تكنولوجيا المعلومات على تحسين معالجة وتخزين نقل البيانات، والمبدعون في مجال تكنولوجيا المعلومات هم المالكون الوحيدون لقنوات المعلومات الرئيسية التي يعملون بنشاط لمنع المنافسين من استخدامها.
تدافع شركات تكنولوجيا المعلومات عن سلطتها الاحتكارية من خلال براءات الاختراع أو حقوق الملكية الفكرية. ولكن هذه المسارات تتطلب جعل الأسرار التجارية علنية. ولهذا، تتخلى شركات عديدة لأسباب استراتيجية عن تدابير الحماية القانونية، وتعمل على توطيد مواقف مهيمنة في السوق من خلال إصدار تحديثات برمجية مستمرة تخدم بطبيعتها كحاجز يصعب على المنافسين اختراقه. فعندما تنشأ تكنولوجيات جديدة محتملة، تستحوذ الشركات الأكبر غالبا على منافسيها، إما لتطوير التكنولوجيات المنافسة بمفردها أو لقمعها.
بمجرد نجاح شركة مبدعة في ترسيخ هيمنتها على إحدى المنصات، يُصبِح الحجم ميزة. ولأن تكلفة معالجة وتخزين المعلومات انخفضت في السنوات الأخيرة، فإن الشركات التي تتمتع بميزة الحجم تتحمل تكاليف تشغيل أقل، وترتفع أرباحها بسرعة مع تضاعف أعداد المستخدمين (جوجل وفيسبوك من الأمثلة الجيدة هنا). ويكاد يكون من المستحيل أن يتغلب المنافسون على ميزة التكلفة واقتصاد الحجم الكبير.
ولأن هذه الشركات، فضلاً عن ذلك، تستمد قوتها من المعلومات، فإن مراكزها تتعزز بفضل قدرتها على استخدام معلومات منافسيها الخاصة كأصل استراتيجي. والواقع أن العديد من منصات تكنولوجيا المعلومات ليست شركات منتجة بالمعنى التقليدي؛ فهي مرافق عامة تعمل على تمكين التنسيق وتبادل المعلومات بين المستخدمين في مجالات مختلفة. باختصار، تعمل تكنولوجيا المعلومات على تمكين خلق حواجز تمنع الدخول إلى الأســـــواق، ومن ثَم تشجع الشركات الرائدة على اكتســــاب المزيد من الرســــوخ. ومع تزايد وتيرة الإبداع والابتكار في مجال تكنولوجيا المعلومات، تتعاظم أيضا القدرة الاحتكارية.
في ورقة بحثية حديثة تناولت قيــــاس الآثار الاقتصـــادية المترتبة على الســـلطة الاحتكارية، حددت تقريب المستويات الطبيعية التي لا تُصبِح الأرباح أو قيم الأسهم فوقها أحداثا راجعة إلى المصادفة البحتة، بل تعكس بدلا من ذلك القدرة الاحتكارية. ومع هذه المســــتويات، قمت بقيــاس العنصـــر الاحتكاري في قيـم الأســـهم الإجمالية ــ ما أسميه «الثروة الاحتكارية» ــ وفي أرباح أو ريع الاحتكارات. ثم سعيت إلى تحديد كيف تطورت الثروة الاحتكارية والريع.
إن تسع من الشركات العشر صاحبة أكبر ثروة احتكارية في ديسمبر 2015 كانت شركات مرتبطة بتكنولوجيا المعلومات وتركز على الاتصالات المتنقلة، ووسائل الإعلام الاجتماعية، وبيع التجزئة عبر الإنترنت، والعقاقير. وعلى نحو مماثل، كانت أغلب الثروة الاحتكارية بين أفضل 100 شركة تنشأ بواسطة شركات ساعدت تكنولوجيا المعلومات في تحويلها.
لماذا إذن تسببت القدرة الاحتكارية المتزايدة الارتفاع في قطاع تكنولوجيا المعلومات في تركز الدخل والثروة في أياد أقل، على النحــو الــذي أدى إلى اتســـاع فجوة التفاوت في الدخل الشخصي والثروة؟
يتمثل جزء من الإجابة في تسبب زيادة القدرة الاحتكارية في زيادة أرباح الشركات ودفع أسعار الأسهم إلى الارتفاع بشكل حاد، الأمر الذي أدى إلى إنتاج مكاسب تمتع بها قِلة من حاملي الأسهم وإدارات الشركات. ولكن لأن العديد من أصحاب المشاريع في قطاع تكنولوجيا المعلومات كانوا من الشباب في بداية حياتهم المهنية، في ظل ملكية محــدودة للأســـهم، فإن الأمر يتطلب شرحا أكثر دقة.

منذ ثمانينات القرن العشرين، كانت ابتكارات تكنولوجيا المعلومات قائمة على البرمجيات إلى حد كبير، الأمر الذي أعطى المبدعين الشباب ميزة كبيرة. بالإضافة إلى هذا، عادة ما تكون دراسات «إثبات المفهوم» غير مكلفة للإبداعات البرمجية (باستثناء مجال المستحضرات الصيدلانية)؛ فبالاستعانة برأسمال متواضع، يستطيع المبدعون في مجال تكنولوجيا المعلومات اختبار الأفكار دون التنازل عن حصة كبيرة من مخزونهم. ونتيجة لهذا، عملت ابتكارات تكنولوجيا المعلومات الناجحة على تركيز الثروة بين عدد أقل ــ وأكثر شبابا عادة ــ من الأيدي.

لم يكن هذا صحيحا في القرن العشرين، عندما كانت الإبداعات الكبرى في قطاعات رائدة مثل السيارات تتطلب استثمارات ضخمة من رأسمال المخاطرة. وبفضل الاحتياج إلى المزيد من المستثمرين، كانت الثروة الناشئة توزع بشكل أعرض اتساعا.

الواقع أن الآثار الجانبية السلبية الناجمة عن تكنولوجيا المعلومات غير مفهومة بشكل كامل، وهناك احتياج شديد إلى إدارة مناقشة عامة حول كيفية تنظيم القطاع. وتمثل ثلاثة اعتبارات أهمية بالغة هنا. فأولا، ما دامت أغلب القدرة الاحتكارية القائمة على التكنولوجيا لا تنتهك قوانين مكافحة الاحتكار القائمة، فإن تنظيم تكنولوجيا المعلومات سوف يتطلب اتخاذ تدابير جدية لإضعاف الاحتكارات. وهناك أيضا احتياج إلى مفاهيم جديدة للمصلحة العامة لتنظيم قنوات معلومات عامة جديدة مثل الشبكات الاجتماعية. وثانيا، لابد من تكييف وجهات النظر المعيارية لدخل الأعمال والضرائب على الثروة بحيث تضع في حسبانها القدرة الاحتكارية لشركات تكنولوجيا المعلومات. وثالثا، لابد من إعادة تقييم القوانين الرامية إلى حماية المعلومات الخاصة لضمان عدم تمكين شركات تكنولوجيا المعلومات من التربح من استغلال المعلومات الخاصة والتلاعب بها.

وفي المقام الأول من الأهمية، يتعين على جماهير الناس أن تسعى إلى اكتساب فهم أعمق للتأثيرات الاقتصادية الناجمة عن تكنولوجيا المعلومات، وبشكل خاص كيف تعمل التكنولوجيات التي ساعدت في تحسين حياة كثيرين على إثراء حياة قِلة قليلة.

أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة ستانفورد.