السلاح لا يبني دولة

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٩/مارس/٢٠١٧ ٠٤:٣٤ ص
السلاح لا يبني دولة

د. فيصل القاسم
على عكس الدول الغربية، وخاصة أمريكا التي غزت العالم ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً ثقافياً وتكنولوجياً، فقد اعتمدت روسيا على ذراعها العسكري والأمني فقط في الداخل والخارج. داخلياً كان النظام الشيوعي يدير إمبراطورتيه داخل الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وحتى في البلدان التي كانت تدور في فلكه، كان يديرها بعصا حديدية غليظة، فكانت أجهزة الأمن تراقب أنفاس الناس، وكان الكل يتجسس على الكل، ونجح الروائي البريطاني الكبير جورج أورويل أن يصور الحياة في ظل النظام السوفييتي الشيوعي أجمل تصوير في روايته الرائعة «مزرعة الحيوانات» التي جسدت أفضل تجسيد نظام الحكم المخابراتي البغيض وعقلية «الأخ الأكبر» في أسوأ أشكالها.

ونظراً للتركيز السوفييتي على الذراع الأمنية والعسكرية وإهمال الجوانب الحياتية الأخرى في المجتمع السوفييتي، لم يستطع النظام الشيوعي أن يصمد طويلاً في صراعه مع الغرب الرأسمالي، وبينما حصر السوفييت اهتمامهم في القوة، تنوعت إبداعات الغرب في كل المجالات، مما كان يجعل المواطن السوفييتي يحلم بسيجارة مالبورو أمريكية أو قدح ويســكي اسكوتنلندي، لقد كان السوفييت دائماً يشعرون بعقدة نقص كبرى تجاه الغرب رغم قوتهم العســكرية الرهيبة، وقد أثبتت الأيام أن القوة لوحدها لا يمكن أن تصنع مجداً ولا إمبراطوريات طويلة العمر.
بعد حوالي سبعين عاماً من حكم القبضة الحديدة السوفييتية، بدأت الشعوب الأوربية الشرقية والروسية تتململ، وكان الاتحاد السوفييتي وقتها يمتلك واحدة من أكبر الترسانات النووية في التاريخ، ناهيك عن أسلحته الرهيبة وصواريخه العابرة للقارات، لكن ماذا فعلت تلك الترسانة العسكرية الهائلة للنظام السوفييتي عندما تحرك الشعب، وأراد أن يتحرر من ربقة الديكتاتورية الشيوعية؟ لا شيء، لقد انهارت الأنظمة الشيوعية بين ليلة وضحاها كقطع الدومينو رغم جبروتها العسكري والأمني الفظيع، حتى روسيا نفسها لم تستطع أن تقاوم المد الشعبي الذي اندلع أولاً في مستعمراتها في أوروبا الشرقية، وسرعان ما تفكك الاتحاد السوفييتي نفسه، واستقلت جمهورياته الكثيرة، حتى روسيا نفسها تحولت إلى دولة مافيات بعد عقود من القبضة الشيوعية الحديدية، ولم تستعد أمنها وعافيتها إلا بعد سنوات وسنوات، وعندما عادت إلى الحياة، لم تحاول منافسة عدوها القديم الغرب، بل، كما أسلفنا، راحت تنافسه في نظامه الرأسمالي، مع احتفاظها طبعاً بعقليتها الأمنية الديكتاتورية.
لماذا لم تتعلم روسيا الحالية من تجربة الاتحاد السوفييتي، ومن أن القوة لوحدها لا يمكن أن تحمي المجتمعات ولا الأنظمة السياسية؟ فكما أن الترسانة العسكرية الروسية الرهيبة لم تستطع حماية الاتحاد السوفييتي من التفكك والسقوط، فبالتأكيد فإن استخدام ذراعها العسكري في بعض الأماكن لن يجدي نفعاً. لا شك أن الطيران والصواريخ والقنابل الروسية تستطيع أن تبيد بلداناً بأكملها، لكنها لا تستطيع أن تحمي الأنظمة، تماماً كما كانت القنابل النووية السوفييتية قادرة على تدمير كوكب الأرض ثلاثين مرة، لكنها لم تكن قادرة على حماية الاتحاد من الانهيار ومنع الشعب من الثورة وتغيير نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
لماذا كان من حق كل دول أوروبا الشــرقية الشيوعية أن تنفصل عن الاتحاد السوفييتي وتستقل في دول ديمقراطية حديثة، وليس من حق الشعوب الأخرى أن يخرج من تحت العباءة الروسية؟ لماذا تتنمر روسيا بأذرعها العسكرية الآن على شعوب أرادت الحرية والتخلص من ربقة الطغيان العسكري ذي النفس السوفييتي البغيض؟ لماذا تريد روسيا أن تفرض على بعض الشعوب أزلامها؟ قد تســتطيع روســـيا أن تحمي عملاءها عسكرياً، لكن هل تستطيع إعادة بناء الدول المـــدمــرة وتوصـــيل أشلائها الاجتماعية والديمغرافية والإنســـانية والاقتصـــادية المقطــعة؟ نحن نعلم من التاريخ أن الروس بارعون في التدمير، لكنهم بائســون في التعمير، يستطيعون تدمير الدول على الطريقة الشيـــشانية، لكنهم لا يستطيعون بناء دول ديمقراطية مدنيــة حديثة محترمة لا في البلدان المنكوبة، وأكبر دليل على ذلك انفصال أوكرانيا ودول كثيرة عن النفــوذ الروســي والانضمام إلى المنظومة الغربية، لذلك نقول للمراهنين على الدب الروســي: لو كانت القوة الروســية نافعة لكانت حمت الاتحاد السوفييتي من السقوط، والأقربون أولى بالمعروف، فما بالك أن تحمي أنظمة تعيـــش على الإنعاش الاصطناعي. إن من يحمي المجتمعات والدول قواهــا الشـــعبية وتماسـكها الاقتصادي والاجتماعي وليــس ترسانتها النووية فما فائدة الســلاح في بيت منهار داخلياً وآيل للسقوط؟

إعلامي في قناة الجزيرة