
علي بن راشد المطاعني
أثلج صدورنا جميعا إنشاء شركة للصناعات العسكرية تحت اسم ذخائر تدار من جانب صناديق تقاعد قوات السلطان المسلحة والأجهزة الأمنية، لتغطية وتلبية بعض احتياجات قوات السلطان المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى من بعض المستلزمات التي يمكن تصنيعها محليا من خلال إيجاد كفاءات وطنية في مجال الصناعة العسكرية التي تشهد تطورا متزايدا يفرض علينا مواكبته ليس باستيراد العتاد، وإنما بإيجاد قواعد صناعية تسهم في سد حاجة قوات السلطان المسلحة، وتصدير بعض المنتجات للدول الشقيقة والصديقة.
ليس في ذلك غرابة إذا أخذنا في الاعتبار بدايات شركات التصنيع الحربية العالمية التي بدأت صغيرة كأمر طبيعي وبالمثابرة والجهد الدؤوب والإصرار على النجاح أضحت شركات عملاقة تصدر معدات ببلايين الدولارات، وهذا ما يدعونا لتشجيع هذه التحولات الاستراتيجية في الصناعة العسكرية في البلاد.
في البداية يجب أن ندرك أن إنشاء هذه الشركة يأتي في سياق تطوير قوات السلطان المسلحة التي تحظى باهتمام كبير من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة -حفظه الله ورعاه- فهذه الرعاية السامية لا تتوقف عند حدود معينة، وإنما تمتد إلى تجسيد فكر جديد على أرض الواقع، ألا وهو إيجاد صناعة عسكرية تسهم في صقل قدرات أبناء قوات السلطان المسلحة من خلال الولوج لرحاب صناعة عسكرية تسهم في إيجاد منتجات عسكرية متعددة ومتنوعة.
لا يخفى على أحد أن امتلاك زمام التصنيع العسكري له أهميته الخاصة في الإمساك بتلابيب أسرار الصناعات العسكرية وما تمثله في امتلاك قدرات تصنيعية تضفي قيمة للدول في وقت الأزمات أوالصراعات، يحدث ذلك عندما تحجم الدول المصنعة والموردة عن تزويد وبيع أسلحة تحتاجها دولة ما، وما يلي ذلك من فرض تلك الدول إرادتها على تلك الدولة، وهو وضع قد تقبل به الدولة مما يفقدها كامل سيادتها كدولة مستقلة. فإيجاد صناعة عسكرية متكاملة يكتسب أهمية كبيرة على العديد من الصعد والمستويات لعل من أهمها أن هذه الصناعة تشكل بداية طيبة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض المستلزمات العسكرية المتجددة، وهذا عامل مهم سوف يوفر الكثير على قواتنا المسلحة ووحداتها العسكرية في الحصول على مستلزماتها محليا وهو أمر له أهمية عسكرية استراتيجية بالغة الأهمية وباعتبار أن أسرار تلك المعدات ستبقى فقط لدينا، وبالتالي يمكننا توظيفها بطريقة مثلى وفاعلة.
إن بدء الصناعة العسكرية في البلاد من شأنه توفير جزء من النفقات المالية التي كانت تذهب للخارج على هيئة استيراد أسلحة ومعدات وآليات وألبسة وغيرها من المنتجات التي تستهلكها قوات السلطان المسلحة لأداء واجبها في المجالات البرية والبحرية والجوية وغيرها، وهذا تطور في حد ذاته سيعمل على تدوير الأموال في البلاد في مجالات مهمة تعزز من هذه التوجهات الاستراتيجية.
لا نغفل أن تأسيس صناعة عسكرية في البلاد سيخفض التكلفة التي تتحملها الأجهزة العسكرية، خاصة إذا علمنا أن الاستيراد مكلف وبالعملة الصعبة، وإيجاد هذه الصناعات من شأنه أن يقلل النفقات لتستثمر في مجالات أخرى ذات أهمية في بناء قوات السلطان المسلحة التي بالطبع سوف تزداد متطلباتها من العتاد العسكري في المراحل المقبلة وبناء لما يشهده العالم من تطور مذهل في مجالات التصنيع العسكري الذي يشهد تطورات لا تتوقف وتيرتها أبدا.
فإنشاء شركة ذخائر يعد باكورة جيدة للصناعات العسكرية في البلاد، ونواة لتطويرها شيئا فشيئا وبما يتماشى مع الاحتياجات العسكرية لقوات السلطان المسلحة في المقام الأول، ثم التصدير للخارج كلما دعت الضرورة، وبذلك نمتلك الجاهزية لتلبية أي طلبيات من مستوردين من القوات المسلحة النظيرة في الدول الشقيقة والصديقة، وهذا الأمر في حد ذاته يصب في رفد اقتصادنا الوطني بموارد مالية جديدة بالعملة الصعبة.
من الجوانب المهمة التي سوف تفرزها إنشاء هذه الشركة هو بناء قدرات وطنية في التصنيع العسكري في السلطنة، تعمل على ابتكار منتجات وتطوير أجهزة تدخل الخدمة العسكرية كمنتج عُماني صرف، فضلا عن تأهيل الكفاءات الوطنية في مجال التصنيع العسكري وهذا مكسب لا يقدر بثمن بطبيعة الحال.
ومن حسن الطالع أن نسبة التعمين في الشركة 100% تعمل في مجال تصنيعي دقيق كالصناعة العسكرية مما يعظم القيمة المضافة لهذه المبادرة الوطنية، التي سوف تفرز العديد من فرص العمل للشباب العماني المؤهل من خريجي الجامعات والكليات والمعاهد الفنية للانخراط في هذا المجال.
بالطبع وجود الشركة لن يغني عن الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في مجال التسليح، واستيراد المعدات والآليات وغيرها من متطلبات قوات السلطان المسلحة، لكن وجود شركة متخصصة في الصناعة العسكرية يعد في حد ذاته بداية طيبة لتطوير هذه الصناعة، وكذلك توفير احتياجات كثيرة لقوات السلطان المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى.
نأمل أن تكلل مثل هذه الجهود بالنجاح والتوفيق ونزجي التحية لكل هذه الجهود الوطنية الهادفة إلى إيجاد صناعة عسكرية وطنية التي لا يمكن أن تختزل أهميتها في هذه العجالة لكن أردنا إضاءة بعض الجوانب المشرقة لكي تساهم في تحفيز هكذا مبادرات والتعريف بالجهود التي تعمل في الكواليس من أجل هذا الوطن وأبنائه الأوفياء.