
موسى البلوشي
قبل أيام نشرت إحدى الصحف الخليجية خبرا يقول إن مدير طاقم إحدى الطائرات فقد وظيفته لأنه غطّ في نوم عميق خلال إحدى الرحلات، وقامت إحدى المضيفات بالتقاط صورة له وهو في تلك الحالة، ثم وضعتها على موقع الفيس بوك لتنتشر الصورة وتنتهي بفصل خدماته، القضية لم تنته عند هذا الحد، فالمدير المفصول قام برفع دعوى على المضيفة التي التقطت ونشرت الصورة، وما زالت القضية في أروقة المحاكم!
هذه القصص أصبحت تتكرر ونسمعها بشكل يومي حول العالم ولسنا بمعزل عن هذا العالم كوننا نستخدم منصّات التواصل الاجتماعي، وأصبح لها آثار وأبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية.
مع تعاظم دور وسائل الإعلام الاجتماعية، وأخذها حيّزا كبيرا في حياة المجتمعات برزت عدة ظواهر نذكر منها غياب الحس الإنساني في نقل القصص والمواقف، قضايا انتحال الشخصيات، والسرقة الفكرية والأدبية، وتضخيم الإنجازات، ونشر الإشاعات، وظاهرة الانسياق خلف المؤثرين، ونتيجة لهذه الظواهر مع غياب الضابط الأخلاقي كان من المهم بمكان حضور التشريعات والقوانين، مع أهمية متابعة أهل التشريع لما يجري في عالم الإعلام الاجتماعي من تطبيقات وتحديثات وتقنيات وميزات متجددة حتى يتم التعامل مع القضايا المرتبطة بها بوعي ومعرفة.
وفي هذا الاتجاه لابد من التأكيد على أن أخلاقيات الإعلام الاجتماعي لا تختلف كثيرا عن أخلاقيات الصحافة كونها مرتبطة بالسلوك والأفعال والقرارات، وتضع في أسمى أهدافها إعلاء القيم الإنسانية الأصيلة.
الشبكات الاجتماعية أنتجت ما أصبح يعرف بالمواطن الصحفي، وأصبح المواطن العادي مصدرا مهما من مصادر المعلومات، فاحتمال وجود صحفي محترف ومتمكن في أي حدث وأي مكان يبقى ضعيفا مقارنة بوجود أي شخص آخر في ذلك المكان مع انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي، لكن في المقابل يجب على المؤسسة أو الجهة التي تتعامل مع هذه الفكرة أن تضع آلية ذات فاعلية من خلال توفير أدوات ومنصات وقواعد لتنظيم هذه الفكرة لضمان الحصول على محتوى ذي مصداقية وقيمة.
وسواء استخدمنا وسائل التواصل الاجتماعي كمنصّات للتعبير عن الرأي أو كمساحة للنقاش أو حتى للبحث عن المعلومة لابد من وجود قواعد تنظم هذا الاستخدام مع القواعد والمبادئ الخاصة التي وضعتها هذه المنصات أصلا، ويقترح الخبراء هنا بناء مدونة سلوك أو ميثاق شرف أخلاقي يوقع عليه الخبراء والمختصون والمؤثرون قبل الجمهور كالتزام أخلاقي ينعكس على استخدامهم لهذه الوسائل.
ولعل التركيز على التكوين والبناء، وأهم ركائزه التعليم، يبقى عاملا مؤثرا لزرع الأخلاقيات التي نحتاجها لنعبر عالم الإعلام الاجتماعي بتطبيقاته ومنصاته بوعي ومسؤولية ونجعل منها أدوات بناء وتنمية لا أدوات هدم وتقويض لقيم المجتمع واستقراره، وبعد التعليم يأتي دور الفعاليات كالندوات والمؤتمرات والجلسات النقاشية لرفع الوعي بالاستخدام الأمثل لهذه الوسائل، مع غرس قيم المسؤولية لدى الأفراد، وتنمية ثقافتهم حول الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه الوسائل، وتعزيز دور المؤسسات الإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني من مبادرات وجمعيات في نشر الوعي.
أخيرا أرى أنه من الواجب على المؤسسات الوطنية المهتمة بصناعة تقنية المعلومات ونشر ثقافة استخدامها الاستفادة من هذا الحضور الكبير للأفراد على وسائل الإعلام الاجتماعي لوضع قواعد تحفيزية أكثر منها تحذيرية للمستخدمين خاصة أصحاب المواهب من أجل ابتكار طرق وأساليب وتوليد أفكار حيّة وبناء مشاريع تعود نتائجها بالفائدة على مجتمعاتنا.