الخليج والمستقبل

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٨/مارس/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
الخليج والمستقبل

فريد أحمد حسن

خلال جلسة بعنوان “ما هو النموذج المستقبلي للتعليم العالي؟” أقيمت ضمن فعاليات القمة العالمية للحكومات في دورتها الخامسة التي عقدت في دبي الشهر الفائت قال رئيس جامعة نورث إيسترن الأمريكية د. جوزيف عون: إن 45 % من وظائف العصر الحالي لن تكون موجودة مستقبلاً، مبينا أن «العالم اليوم يشهد تحولات تكنولوجية كبرى من شأنها أن تغير ملامح سوق العمل بشكل قد يلغي هذه النسبة من الوظائف الموجودة حالياً ويستبدلها بمجموعة من الوظائف الجديدة التي تتطلب بدورها مهارات وأدوات مختلفة».

كانت هذه معلومة لافتة رغم أنها متوقعة بسبب التطور التكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم ويجعل الجميع يلهث بغية الإمساك به، والأكيد أن أحدا لا يختلف مع الدكتور عون في قوله «مع ما يحمل لنا المستقبل من تحديات قد تغير ملامح سوق العمل لابد أن نبدأ بتهيئة التلاميذ من اليوم لكي يتأقلموا مع تلك المتغيرات من خلال الإلمام بمواضيع شتى تعزز من مهاراتهم وإمكانياتهم على المنافسة في السوق”، كما لا يختلف أحد معه في قوله “هناك نوعان من الطلبة، الأول هو طالب العلم الذي قضى سنوات طويلة في التعلّم لكن تنقصه خبرات حياتية وعملية كثيرة، والثاني الذي قضى في سوق العمل سنوات طويلة ولم يعد يجد الوقت الكافي لإضافة معارف جديدة إلى ما تعلمه قبل أن يدخل إلى الحياة المهنية». لكن مع موافقة الجميع على ما طرحه د.جوزيف عون إلا أن الجميع أيضا يرى أنه لا يوجد حتى الآن ما يدل على أن دول مجلس التعاون -ناهيك عن الدول العربية- قد باشرت في التهيئة بشكل عملي للدخول في هذا التغير الحتمي، وهذه إشكالية كبيرة ومهمة تستدعي استنفار طاقات كل ذوي العلاقة في مختلف دول المجلس.

من الأمور التي أراد الباحث توصيلها أن التغير لم يعد محصورا في التحول من استخدام القلم إلى استخدام الكمبيوتر ولا متمثلا في التعامل مع الصراف الآلي بدل تضييع الوقت في الوقوف في طوابير أمام أمين الصندوق في البنك ولكنه وصل وسيصل إلى مرحلة يتطلب التهيؤ لها بذل جهود غير عادية تقوم بها الحكومات كي تتمكن من الاستفادة من كل جديد لخدمة بلدانها وشعوبها، وأن بلوغ هذه المرحلة يتم عبر تطوير أدوات التعلم بل تغيير مفهومه.
هو إذن تحد جديد وكبير تواجهه كل الحكومات وخصوصا حكومات دول التعاون التي اختارت مبكرا الطريق إلى المستقبل ونجحت حتى الآن في أغلب -إن لم يكن كل- مراحل الانتقال إليه بدليل التطور الذي تشهده والذي لا يمكن إنكاره. لكن السؤال الذي يشاغب كل خليجي وهو يتابع هذا الكلام الذي يفتح الشهية على المستقبل هو هل بإمكان دول التعاون أن تصير جزءا من هذا التطور في وقت لا تزال بعض ساحاتها منشغلة بملفات تستهلك جزءا كبيرا من طاقتها وإمكاناتها؟ وفي وقت تعاني فيه من احتمالات انتقال ما يجري في بعض دول المنطقة إليها، وفي وقت تحاك فيها الكثير من الدسائس بغية الإساءة إليها.
ما يدعو إليه د. جوزيف يتحقق في البيئات المستقرة، وما يجري في المنطقة وجرى بعضه في بلداننا الخليجية وما هو محتمل أن يجري فيها بسبب اشتعال المنطقة وتسارع الأحداث فيها وتقلبها لا يعين على القول إن التغير في ذلك الكم من الوظائف مستقبلا يمكن أن يتحقق في دول التعاون إلا إذا اتخذت هذه الدول قرارا بمنع تأثرها بما يجري حولها، وهو أمر ممكن في حالة واحدة فقط هي حل مشكلاتها الداخلية، فبهذه الخطوة لا يمكن للأجنبي أن يطل برأسه ويتدخل في شؤونها ولا يكون أمامها من سبيل سوى التفرغ لبناء المستقبل.
غني عن القول هنا إن السلطنة هي المثال الذي ينبغي أن يتبع كي يسهل التعامل مع المستقبل، وقبله مع المتغيرات التي تعين على التعامل معه بالشكل المطلوب، فالسلطنة بوضعها الحالي تستطيع أن تلبي كل المتطلبات التي يمكن أن تؤدي إلى استيعاب سوق العمل لهذا الكم من الوظائف وهذا الكم من المتغيرات، فاستقرارها وعدم انشغالها بالأمور التي لا طائل من ورائها وسعيها إلى تطوير مناهج التعليم وطرق التعلم وإقبال أبنائها على التعلم بروح التحدي، كل هذه الأمور تسهل لها طريق الاستفادة من المتغيرات الحالية والمتوقعة والتي يمكن أن تبني أساسات أكثر قوة للتعامل مع المستقبل والتفوق فيه.
اليوم بإمكان السلطنة أن تترجم كل رؤى جوزيف عون ومن يوافقونه على تصوراته على أرض الواقع بنجاح منقطع النظير فتنتج مواطنين مؤهلين لخدمة سوق العمل ولمواكبة كل جديد فيه وقادرين على التحول من وظيفة يتم غلق بابها بسبب التطور إلى أخرى يكون مردودها أكبر وأكثر فائدة للوطن وللمجتمع.
من الأمور التي طرحها د. جوزيف ويمكن أن تتحقق في السلطنة بسهولة أن التطور الآتي لا يتطلب تأهيل الداخلين إلى سوق العمل فقط ليكونوا قادرين على العطاء ولكن إعادة تأهيل جميع المنتمين إلى السوق أيضا وهو ما يعني إكسابهم مهارة تطوير قدراتهم كلما بدت هناك حاجة للتطوير وكلما فرض التطور ما يلزم من أمور.
ليس من المجازفة القول إن السلطنة يمكن أن تكون بسهولة الميدان الذي يمكن فيه للدكتور جوزيف تأكيد نظريته على أرض الواقع، فكل الشروط المطلوبة للتكيف متوفرة هنا.

كاتب بحريني