علي بن راشد المطاعني
ali.matani2@gmail.com
في الوقت الذي تبذل فيه الجهات الحكومية المختصة جهوداً طيبة في تنظيم سوق العمل والقضاء على القوى العاملة السائبة والمتهربة من كفلائها من الجنسيات كافة، نجد للأسف أن هذه القوى العاملة تؤوى من قبل مواطنين وشركات وهم بذلك يخالفون كل النظم والقوانين المنظمة لسوق العمل في السلطنة، غير عابئين أو مكترثين بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تسببها هذه الظاهرة ولا عن مدى كلفتها المادية والاجتماعية على الفرد والمجتمع، وهو أمر يحتاج إلى توعية المواطنين بخطورة انتهاج هذه الممارسات غير الأخلاقية واللاقانونية.
إن اللجوء إلى هذه الممارسات يعطل الجهود الحكومية الرامية لتنظيم سوق العمل، ومهما كانت قدرات الجهات المختصة ومهما تعاظم دورها فإن تلك الجهود تبقى قاصرة في ظل هذا التعاطي الخاطئ من المواطنين والشركات عبر تجاوزهم للنظم والتشريعيات الموضوعة في هذا الشأن.
فبلا شك أن جهود وزارة القوى العاملة في تنظيم سوق العمل بكل تفاعلاته وتضارب مصالحه وتعدد الأطراف المستفيدة منه، لا يمكن أن يغدو بالمستوى المأمول والذي يتطلع إليه الجميع، ما لم يكن هناك تعاون كبير ومنظم وفاعل من قبل المواطنين في عدم إتاحة المجال للقوى العاملة السائبة للعمل بطرق غير مشروعة فيعرض نفسه وأخاه والعامل للمساءلة القانونية وما يليها من عقوبات وغرامات، بل وهو بذلك إنما يجدف عكس التيار الوطني النبيل الهادف لبلورة سوق مثالي ونموذجي للعمل مما يعود ريعه لمصلحة الوطن والمواطن معاً.
فهناك بالفعل مخاطر كثيرة للقوى العاملة السائبة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وأمنياً.
فعلى صعيد الجهود المبذولة للحد من الظاهرة بل واجتثاثها من جذورها هناك فريق تفتيش العمل المشترك الذي أنشئ بموجب القرار الوزاري رقم 102/95 والذي حدد عدة جهات لمتابعة القوى العاملة السائبة ميدانياً وبشكل مفاجئ في كل محافظات السلطنة، وعبر ذلك تمارس فرق التفتيش الصلاحيات التي يخولها لها قانون العمل للتأكد من أن القوى العاملة تعمل بالفعل مع كفلائها وفي مجالات العمل التي جلبت من أجلها، ورغم التحديات التي تواجه عمل هذه الفرق كإعاقتها من أداء عملها ومحاولات التحايل عليها من قبل البعض بطرق شتى، إلا أنها أسهمت بشكل كبير في الحد من تفاقم المشكلة رغم أنها لم تقض عليها بنحو حاسم للأسباب الموضحة آنفاً.
أما على صعيد التشريعات والأطر القانونية التي تنظم هذه المسألة، فقانون العمل العماني وبناء المادة 114 منه فإنها تعاقب كل من يشغل عمالاً غير عمانيين، لم يرخص له بتشغيلهم وفقاً للترخيص الصادر له بغرامة لا تقل عن 1000 ريال عماني ولا تزيد على 2000 ريال عماني عن كل عامل، وتتضاعف العقوبة بتعدد العمال الذين وقعت بشأنهم المخالفة فضلاً عن إلزامه بمصاريف إعادة العامل إلى بلده، مع حرمانه من استقدام عمال غير عمانيين لمدة لا تزيد عن سنتين وتتضاعف العقوبة إذا كان العامل الذي تم تشغيله ممن دخلوا السلطنة بطريقة غير مشروعه أو تاركاً لعمله لدى صاحب العمل، ويعاقب صاحب العمل الذي يترك بإرادته أي عامل غير عماني مرخص له بتشغيله بالعمل لدى غيره بالسجن مدة لا تزيد عن شهر وبغرامة لا تقل عن 1000 ريال عماني عن كل عامل أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ويجرم مسألة هروب العمال وتشغيلهم على صاحب العمل والعامل وفق ما نص عليه القرار الوزاري رقم 95 /2001، الخاص بالتبليغ عن العمالة الوافدة. فالحملات التفتيشية لمكافحة ظاهرة هروب وتسيب العمال ضبطت ما يقارب من 20 ألف عامل مخالف خلال العام 2016، وهو عدد كبير، فضلاً عن الأعداد المضاعفة التي لم تضبط، أو من الصعوبة أن تضع الجهات المختصة مراقباً على كل عامل وافد. وهو ما يفرض علينا العمل على مساعدة الجهات المختصة في هذا الشأن تحقيقاً للمصلحة العامة.
إن تنظيم سوق العمل على نحو يحقق المصالح الوطنية للدولة ليس مسألة بسيطة كما يرى ويعتقد البعض، وهو أمر يتطلب التكاتف والكثير من العمل والجهد من الجميع بهدف الحد من تأثيرات العمالة الخارجية ومعالجة ما ينتج عنها من ممارسات خاطئة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، فضلاً عن ما تسببه من خسائر مالية واقتصادية فادحة العواقب إضافة لبثِّ الفوضى في السوق وهذا ما نحن في غنى عنه أصلاً.
بالطبع لا ننكر أن هناك من يتعاون مع الجهات المختصة ويبلغ عن القوى العاملة الهاربة، ويرفض إتاحة الفرص لها للعمل في شركاته، ويفضل عمل عقود عمل مع بعض الشركات التي لديها أعمال أو قوى عاملة زائدة، إيماناً منه بضرورة الإسهام في تصحيح سوق العمل ورفد الجهود المبذولة، إلا أن الكثيرين يؤون القوى العاملة الوافدة ويتسترون عليها، جهلاً منهم ربما بالعواقب المترتبة على هكذا ممارسات.
نأمل أن يعمل الجميع على التعاون للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة التي نعمل على استفحالها بممارساتنا الخاطئة وانعكاساتها على الفرد والمجتمع والاقتصاد الوطني.