مراجعة مسار وجذور التطرف الإسرائيلي

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٧/فبراير/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
مراجعة مسار وجذور التطرف الإسرائيلي

غازي السعدي

من عهد «زئيف جابوتنسكي»، صاحب النظرية والمدرسة الأيديولوجية اليمينية، الذي انفصل عن المنظمة الصهيونية العالمية عام 1923، وأقام حركة التصحيح اليمينية، ومنها إلى مرحلة «مناحيم بيغن» الذي ترأس منظمة «ايتسل» الإرهابية، المعروفة بالمنظمة العسكرية القومية، مروراً بـ«اسحاق شامير»، رئيس منظمة شتيرن الإرهابية، وجميعهم، وتشهد عليهم مذكراتهم، قاموا بالأعمال الإرهابية في فلسطين في عهد الانتداب، من قتل وتفجير وتدمير، ثم إقامتهم لحزب حيروت بعد الإعلان عن إقامة إسرائيل، وفكفكة المنظمات اليهودية الإرهابية، وصولاً إلى «بنيامين نتنياهو»، حيث تحول مسمى حزب «حيروت»، إلى حزب «الليكود»، مما أدى إلى تمدد اليمين الإسرائيلي للسيطرة وحكم إسرائيل، والقادر على اتخاذ القرار، سواء كان بالنسبة للحروب، أو نهب أراضي الفلسطينيين وإقامة المستوطنات، وتشريع القوانين العنصرية-الفاشية، وآخر هذه القوانين ما يسمى بقانون التسوية، على ملكية فلسطينية خاصة، وإرغام أصحابها، حسب هذا القانون، القبول بالتعويضات، للاستمرار بالمشروع الاستيطاني، وإحلال المستوطنين المتطرفين عليها، فالاتجاه الإسرائيلي العام ينحو نحو التطرف والعنصرية، وصولاً إلى مرحلة الابرتهايد، تتنافس أحزاب اليمين التي تتبنى الاستيطان فيما بينها، من هو الأكثر تطرفاً وعداوة للفلسطينيين، للحصول على أصوات الناخبين المتطرفين في انتخابات الكنيست، ففي هذا المقال سنحاول البحث عن أحد جوانب وجذور التطرف الإسرائيلي المسيطر على حكم إسرائيل.

في كتابه الذي يحمل عنوان «الحائط الحديدي»، الذي صدر عام 1923، مع انشقاقه عن المنظمة الصهيونية العالمية وإقامته للحركة التصحيحية، رسم «جابوتنسكي» الطريق الذي ينبغي السير فيه، لضمان ما يسمى بتحقيق مزاعمه عن الحقوق الشرعية للشعب اليهودي في فلسطين، وما يطلقون عليه بـ«أرض إسرائيل»، وأن القوة والحائط الحديدي، هما الوسيلة لتغيير المعارضة العربية، وأنه يتوقع حدوث هذا التغيير، حين لا يكون في الحائط الحديدي، حتى ولا شق واحد، عندها سيأتي إلينا المعتدلون من العرب، وفي أيديهم اقتراحات لتنازلات، بحسب ما جاء في الكتاب.

إن الذين يسيرون ويتبنون نظرية معلمهم «جابوتنسكي» بين الإسرائيليين، لا يرون في اتفاقيات السلام بين إسرائيل ومصر والأردن، تعبيراً لنظرية «جابوتنسكي»، أما بالنسبة للفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي اعترفت بإسرائيل، وبإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، فإن اليمين الإسرائيلي وتلاميذ «جابوتنسكي» الذين يتبنون الحائط الحديدي، يواصلون الادعاء بأن المواقف الفلسطينية، ما تزال لا تعبر عن التغيير المطلوب لتسوية الصراع، وفقاً لنظريتهم التي ورثها «نتنياهو»، وحزبه الليكود، واليمين الإسرائيلي، الذين يعتبرون أن ما يطلقون عليه بأرض إسرائيل من البحر إلى النهر ملك لليهود، ومن هذا المنطلق، فإنهم يعرقلون أية تسوية لتحقيق السلام بين الشعبين.
في مراجعة لمسار الصراع، فبتاريخ 29-11-1947، اتخذ قرار تقسيم فلسطين بإقامة دولة يهودية، وأخرى عربية، وهذا القرار تبنته الحركة الصهيونية بحماس، وهو ينسجم مع قرار المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، وحرص «دافيد بن غوريون»، أول رئيس حكومة إسرائيلية، أن يشدد في وثيقة الاستقلال أن الدولة اليهودية قامت على أساس قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، إلا أنهم اليوم لا يحترمون قرارات الأمم المتحدة التي أوصلتهم لإقامة دولتهم، ويستندون إلى كتاب التوراة المحرف، الذي كُتب من قبل بعض الأشخاص، كانوا يختلفون في بعض نصوصهم، ويدعون أن «أرض إسرائيل» ملك لليهود حسب التوراة المحرفة، وتحت عنوان: من هم كتبة التوراة، كشفت جريدة «هاآرتس 2-2-2015»، بأن التوراة لم تكتب بأيدي موسى، بل بأيدي العديد من الكتبة المختلفين والذين يحملون وجهات نظر مختلفة، يستندون بملكيتهم لفلسطين على التوراة المحرفة.
لقد رفض العرب قرار التقسيم، وكانت وجهة نظرهم أن إقامة إسرائيل خطأ من أساسه، لأنهما يتعارضان مع المبادئ التي يتضمنها ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها حق تقرير المصير، كما أن العرب أدركوا قديماً، بأن الأطماع الصهيونية لن تتوقف عند المساحة التي منحها لهم قرار التقسيم، ولن تكتفي بها، وهذا ما تأكد بعد حرب عام 1967، والمحاولات الإسرائيلية المكشوفة، لضم الأراضي الفلسطينية المحتلة لها، على عكس قرارات الشرعية الدولية، من قرار (242) الذي اتخذ من قبل الأمم المتحدة بتاريخ «22-11-1967»، وفيه تقررت صيغة الأرض مقابل السلام، التي سمحت للعرب التراجع عن لاءات الخرطوم الثلاثة، لكن قرار الرئيس المصري «أنور السادات»، وقيامه بزيارة إسرائيل بتاريخ 19-11-1977، والتي أدت إلى مؤتمر كامب ديفيد، والتوقيع على اتفاقية السلام الإسرائيلية مع مصر عام 1979، واتفاق أوسلو مع الفلسطينيين عام 1993، ومعاهدة السلام مع الأردن عام 1994، غيرت المفاهيم، وأصول اللعبة.

من هو زئيف جابوتنسكي: إنه معلم وموجه اليمين الصهيوني، ورئيس حركة التصحيح الصهيونية، من مواليد روسيا عام 1880، انخرط إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وتولى قيادة الوحدة (38) في الجيش البريطاني عام 1917، وبعد نهاية الحرب العالمية، دعا إلى استمرار تجنيد اليهود للكتائب العسكرية، بذريعة حماية المستوطنات اليهودية في فلسطين، واعتبر جابوتنسكي، أن توجه الحركة الصهيونية ليّن ومرن أكثر من اللازم، ألقي القبض عليه في القدس من قبل البريطانيين، لقيامه بأعمال إرهابية عام 1920، ضد الفلسطينيين، وحكم عليه بالسجن (15) عاماً في سجن عكا، وأفرج عنه من السجن نتيجة عفو عام، كان من المعارضين للتنازل عن شرقي الأردن، التي منحت لليهود حسب وعد بلفور عام 1917، إلا أن رئيس الوزراء «تشرتشل» أصدر أمراً عام 1922 بإخراج شرقي الأردن من وعد بلفور، وعاد «جابوتنسكي» بتبني شعار للأردن ضفتين، هذه لنا وتلك أيضاً، وفي العام 1932 كان من الداعين لتنفيذ عمليات هجرة اليهود بصورة غير شرعية إلى فلسطين، وكان من مؤسسي عصابة «الاتسل» الإرهابية، التي عملت على تنفيذ عمليات إرهابية وتخريبية في فلسطين أثناء الانتداب البريطاني.

عندما نتحدث عن المسار والمسيرة، فإن حل الدولتين، وهو ما طرحه «نتنياهو» في خطابه بجامعة بار ايلان عام (2009) أصبح في طريق مسدود، وهم يعارضون دولة واحدة ثنائية القومية، حتى أن «بن غوريون» حذر عام 1947، أن لا دولة يهودية مستقرة طالما فيها أغلبية عربية، إذ أن الحكم سينتقل إلى هذه الأغلبية، والكاتب «شاؤول أرئيلي» كتب في «هاآرتس 20-1-2017»، إما الانفصال عن الضفة الغربية، أو أبرتهايد وحرب أهلية، والمفكر والفيلسوف الإسرائيلي «يشعياهو ليفوفيتش»، اعتبر منذ العام 1967، أن ضم الأراضي الفلسطينية لإسرائيل، معناه تصفية دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، بينما دعا وزير الجيش «أفيجدور ليبرمان» الفلسطينيين والمجتمع الدولي، في خطابه أمام معهد دراسات الأمن القومي في تل-أبيب، إلى نسيان الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، «التايمز الإسرائيلية 25-1-2017»، وخلاصة القول، فإن إسرائيل في أزمة، كما نحن أيضاً في أزمة، بعد إغلاق السبل نحو الحلول، ويبقى السؤال ما لنا وما لهم.. ما العمل؟

مدير دار الجليل للنشر والدراسات الفلسطينية