علي المطاعني يكتب: الوظيفة أم الموظف؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٢/أبريل/٢٠٢٦ ١٣:١٩ م
علي المطاعني يكتب: الوظيفة أم الموظف؟
علي بن راشد المطاعني

قد يبدو السؤال في ظاهره بسيطًا؛ لكنّه في جوهره يطرح واحدة من أهم الإشكالات التي تواجه مؤسساتنا اليوم ويتمحور حول: هل نحن نبني الوظائف أم الإنسان؟ وهل ننظر إلى الموظف باعتباره شريكًا في البناء المؤسسي أم مجرد رقم في هيكل تنظيمي يمكن استبداله أو الاستغناء عنه في أي وقت؟

المؤسف أنّ كثيرًا من مؤسساتنا لا تزال تتعامل مع الوظيفة باعتبارها الأصل لا الإنسان، والموظف باعتباره البديل القابل للتغيير والتبديل ببساطة متناهية، بينما في الدول المتقدمة أصبح الموظف هو الأصل والوظيفة هي الإطار الذي يتطور بتطوره وينمو بنمو خبراته.

نحن في كثير من الأحيان ننتظر خروج الموظف أو تقاعده أو انتقاله إلى جهة أخرى، دون أن نتساءل لماذا غادر أصلًا، بينما تنظر المؤسسات في الدول المتقدمة إلى مغادرة الموظف المتميّز باعتبارها مؤشر خلل داخلي يستوجب الوقوف عنده ومعالجته.

في تلك المؤسسات لا يُنظر إلى الموظف كعنصر قابل للإحلال بسهولة، بل كقيمة مضافة تراكميّة يصعب تعويضها سريعًا؛ لأنّ الموظف لا يحمل معه مهام وظيفته فقط، بل يحمل ذاكرة مؤسسية، وعلاقات مهنية، وخبرة عملية، وفهمًا عميقًا لثقافة المؤسسة ومساراتها وتحدياتها، لذلك فإنّ خسارة الموظف هناك لا تعني شاغرًا وظيفيًا فقط، بل تعني خسارة استثمار طويل المدى في الإنسان والمعرفة ضاع سُدًى،

وقد قصّ عليّ أحد الزملاء العاملين في إحدى الشركات الأجنبية خارج السلطنة تجربة لافتة، حيث قال إنّ تلك الشركة تولي الموظف عناية متكاملة تبدأ من توفير بيئة عمل مريحة وتنتهي ببرامج تطوير مهني مستمرة، بل حتى الوجبات اليومية تُقدم داخل مقر العمل فضلًا عن المزايا الأخرى التي لا تجعل الموظف يفكر في شيء غير العمل والإجادة فيه، فهذه المزايا ليست ترفًا، بل جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الوظيفي ورفع مستوى الانتماء المؤسسي، فالمؤسسة هناك تدرك أنّ الموظف المستقر نفسيًا ومهنيًا هو الأكثر قدرة على الإبداع والإنتاج والاستمرار.

كما أنّهم يؤمنون بأنّ الإنسان هو الأصل وليست الوظيفة التي وجدت أصلًا لخدمة الإنسان، وهو يمثل العقل والإبداع، وهو المكلف بتطوير العمل، على ذلك فإنّ أي نظام إداري يضع الوظيفة قبل الإنسان هو نظام آيل حتمًا للفشل الأكيد على المدى الطويل، وسيفضي حتمًا لا ظنًا إلى تردي الإنتاجية وسحق كل ملكات الإبداع والابتكار لدى الموظف.

وفي شركات عالمية كبرى مثل Google وMicrosoft فإنهما يوفران بيئة عمل جاذبة مع دعم مطلق للموظفين وتوفير بيئات العمل المثالية لا من باب الرفاه الوظيفي فحسب، بل كقناعة استراتيجية مفادها أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، ولذلك لم تعد هذه الشركات تسأل: من سيشغل الوظيفة بعد مغادرة الموظف، بل أصبحت تسأل: لماذا يغادر الموظف أصلًا، وكيف نحافظ عليه؟

ففي اليابان، التي تُعد من أكثر الدول تقدمًا في بناء المؤسسات الإنتاجية، نشأت ثقافة وظيفية تقوم على علاقة طويلة الأمد بين الموظف والمؤسسة، بحيث يصبح الموظف شريكًا في نجاحها لا مجرد مُنفذٍ لواجباتها، وهو ما انعكس على مستويات عالية من الولاء المؤسسي والاستقرار الوظيفي والإنتاجية المستدامة.

ومع هذا فإنّ الوظيفة لها أهميتها لأنها تعد الوسيلة المشروعة لتحقيق الاستقرار المادي، والساحة المتاحة لإظهار المهارات المكتسبة في ساحات الصقل والتدريب المندرج تحت مفهوم التنمية البشرية الأممي.

وبالتالي فإنّ الوظيفة تعد جزءًا من حياة الإنسان، لكنها حتمًا ليست كل حياته، ومن ناحية عامة فإن قيمة الإنسان لا تقاس في مطلق الأحوال بوظيفته فقط، بل بقدراته وملكاته الخاصة في مجال التعلم والإدراك السليم.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كيف نملأ الوظائف الشاغرة، وإنما: كيف نحافظ على الموظف الكفء؛ لأن الموظف لا يغادر المؤسسة غالبًا بسبب الوظيفة نفسها، بل بسبب التجربة الوظيفية التي يعايشها داخلها، سواء من حيث التقدير أو بيئة العمل أو وضوح المسار المهني أو فرص التطوير أو أسلوب القيادة المباشرة.

ولعل اللافت في التجارب المؤسسية المتقدمة أنها لا تكتفي بتوفير الرواتب أو الامتيازات، بل تعمل على بناء منظومة متكاملة تُعرف اليوم عالميًا بـ (تجربة الموظف) وهي منظومة تبدأ منذ لحظة انضمامه إلى المؤسسة وتستمر طوال مسيرته المهنية فيها.

وفي المقابل، بدأت العديد من المؤسسات الوطنية في سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة تدرك أهمية الاستثمار في الموظف باعتباره الركيزة الأساسية لأي نجاح مؤسسي مستدام، من خلال برامج التدريب والتأهيل، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتطوير القيادات الشابة، وتعزيز بيئات العمل الحديثة، وهي خطوات مهمة تعكس تحولًا إيجابيًا في فهم العلاقة بين الموظف والمؤسسة.

إنّ تطور الدول لا يقاس بعدد الوظائف التي توفرها فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على الإنسان المنتج داخل هذه الوظائف، لأنّ الوظيفة يمكن أن تُستبدل خلال أيام، أمّا الموظف فلا يُستبدل بسهولة، فهو الذي يمنح الوظيفة معناها الحقيقي ويصنع أثرها في الواقع.

بالطبع هناك جهات ومؤسسات بدأت تدرك أهمية الموظف وتحد من النزوح من خلال توفير الممكنات التي تجعل الموظف مستقرًا في العمل، لكن أغلب الجهات والشركات لا تكترث لخروج الموظف للأسف.

نأمل أن تستفيد الجهات والمؤسسات من كوادرها واستثمار قدراتهم والاهتمام بهم بما يعظم الاستفادة منهم بنحو أكبر تحقيقًا للفاعلية الدافعة لوتيرة العمل والإبداع قُدمًا للأمام.