ظاهرة "الطرب الأصيل"

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٧/فبراير/٢٠١٧ ٠٣:١٥ ص
ظاهرة "الطرب الأصيل"

محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com

ما الذي يدفع للذهاب إلى الأوبرا لسماع أغان مرّت على أذني مئات المرات.. وبصوت هو الأصل، بينما تبقى بقية الأصوات "حاملة إرث"، تستقي من التراث الغنائي ما يعينها للوقوف أمام جمهور لا يشبه ذلك الذي يمكن أن يتقبلها لو أنها غنّت ما يناسب جيل اليوم؟!
كانت (الشابة) مي فاروق تغني "دارت الأيام" و"الأطلال" في دار الأوبرا السلطانية، كما حضرت سابقا آمال ماهر وغيرها، تقدم أغنيات "الست" أم كلثوم، وكما حضر "مؤدون" بارعون يقدمون أغنيات الموسيقار محمد عبد الوهاب، والمفارقة أن الأوبرا لا تعترف بقامات غنائية أخرى قدر تركيزها على هذين الهرمين.
آمال ماهر ومي فاروق وغيرهما ممن اشتهروا بالغناء الكلثومي ليسوا بإمكانيات سيدة الطرب العربي، لكنهم يستحضرون تلك التجليات في الكلمات والموسيقى واللحن، في زمن مثّل حالة طربية لم تتكرر في عالمنا العربي، حيث عرفت مصر ثورة فنية، وكلما رحل عملاق بقيت الأرض بورا إلا من أصوات صنعت غناء لكنها عجزت أن تصنع طربا، وفارق كبير بين الحالتين، أن يحملك اللحن والصوت مع الكلمة إلى أفق إبداعي، سمعا، أو أن تجد أصواتا تنتهي بانتهاء دورها.
جاءت حفلة كلثوميات بعد ثلاث ليال مع "فنان العرب" محمد عبده، الحالة الغنائية الأبرز في محيطنا العربي، فنان يغني خمس حفلات غنائية خلال أسبوع، في مسقط وجدة والكويت، يعبّر عن جيل وسط، بلمسة خليجية دالة على المكان، كما كان عمالقة الطرب العربي في فترة الستينيات (ما قبلها وما بعدها.. بقليل) بتلك الروح المصرية، حتى في تأثيراتها على من جاؤوا من خارج المحروسة، فريد الأطرش وأسمهان ووردة وعزيزة جلال، وغيرهم كثر، لكن بقيت أجيال محافظة على علاقتها مع هرم واحد هو أم كلثوم، وباتت بعض أغنياتها نشيدا عاطفيا تتناقله هذه الأجيال، فدارت الأيام قدمتها (الست) عام 1970، أي نحو 47 عاما، ما يقارب نصف قرن، في لقاء آخر جمعها مع محمد عبد الوهاب بعد "أنت عمري"، بينما أغنية الأطلال منذ عام 1965 ظلت غنائية عشق تسير بها القلوب عقدا إثر عقد.
أن ترى الآلات تتحرك أمامك باللحن الطربي فهذا له وهجه القادر على مشاركة كيانك كل تفاصيل اللحظة، كالفارق بين أن ترى المشهد على الواقع أو يعبرك في الحلم.. كلمات مأمون الشناوي التي تقرأها بسيطة تظهر عملاقة مع لحن عبد الوهاب وصوت أم كلثوم، والأطلال عملاقة منذ البداية، كلمات إبراهيم ناجي وألحان رياض السنباطي، مع صوت يتفجر روعة، واللافت أنه يكاد يسكن الأصوات التي تغني هذه الأغنية لاحقا، فحين كنا نستمع إلى مي فاروق لم نكن نفطن إليها قدر ما نعيش الزمن الكلثومي وهو يتجلى:
"أيها الساهر تغفو، تذكر العهد فتصحو، كلما داوينا جرح جدّ بالتذكار جرح، فتعلم كيف تنسى، وتعلم كيف تمحو".
وهذا نحن، جراحنا أوسع من أن تداوى، ولم تعنّا الذاكرة لننسى، ولا تعلمنا كيف نمحو "أطلالا" تراكمت على أرواحنا.