هل من ابتكارات لسد عجز الموازنة؟

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٣١/يناير/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
هل من ابتكارات لسد عجز الموازنة؟

محمد محفوظ العارضي

أعلنت الحكومـة العمانية خطة ميزانيتها للعام 2017 بعجز يبلغ قرابة 3 بلايين ريال عماني، ومع أن هذا العجز يبقى دون التوقعات التي وردت ما قبل إعلان خطة الموازنة، إلا أنه يبقى مؤشراً على ضرورة ابتكار أشكال جديدة لسد هذا العجز تضاف للأشكال التقليدية المتبعة وهي التقشف ورفع الدعم والحذر أثناء إقرار جداول الصرف الحكومي.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذه المرحلة هو: هل نستطيع اجتراح أشكال مبتكرة لسد هذا العجز بدون المس بالمشاريع والبرامج التنموية التي تحتاج إلى ميزانيات ضخمة وبدون المس بخطة إصلاحات قطاعات الصناعة والزراعة والحرف اليدوية والسياحة التي من المتوقع أن تقود النمو خلال السنوات المقبلة كما حددها برنامج «تنفيذ»؟
الحقيقة أنه لا توجد لدى أي منا وصفات جاهزة لهذه الابتكارات، لكننا جميعاً نمتلك تصورات ورؤى يمكن أن توجد جدلاً وحراكاً ثقافياً واسعاً يصل بنا إلى استنتاجات مهمة حول أشكال جديدة لتعويض العجز، لذا سأطرح من خلال مقالتي هذه عدة محاور للنقاش.

المحور الأول: الضرائب

لقد مرّ قانون الضرائب العماني بعدة مراحل من التطور، ولم يظهر بشكله الحالي منذ بدايات إقراره بل توسع ونضج تدريجياً استجابةً للحاجة التي يمليها الاقتصاد الوطني، ومنذ العام 1971 وقت صدور القانون الأول لضريبة الدخل وما تلاه من قانون ضريبة الدخل على الشركات العام 1981، وقانون ضريبة الأرباح على المؤسسات العام 1989، حتى العام 2009 عندما صدر قانون ضريبة الدخل الجديد الذي جاء ليواكب التطورات المالية التي شهدتها السلطنة على إثر دخولها اتفاقيات تجارية إقليمية وعالمية ودخولها منظمة التجارة الدولية، وما شهدناه في العام الفائت من تصويت البرلمان العماني لصالح زيادة كبيرة فـــي الضرائب على قطاع البتروكيماويات والموارد الطبيعيــة غيــر النفطيـــة وشركات الغاز الطبيعي، نلاحظ أن قانون الضرائـــب لم يكن ثابتاً بل متحركاً لينسجم مع خصوصية كل مرحلة من مراحل التنمية في السلطنة وليستجيـــب للتحديات العرضية، ونقول عرضية لأن تراجع أسعار النفط يجب أن يكون مشهداً عرضياً ضمن الصورة الشاملة من التنوع الاقتصادي وتخفيف الاعتماد على النفط.
وهذا يقودنا إلى القول إن الحاجة إلى تطوير قانون الضرائب اليوم بعد تراجع أسعار النفط وحالة التباطؤ في الاقتصاد العالمي، باتت ملحة أكثر من أي وقت مضى. أما الابتكار الذي يمكن أن ندخله على النظام الضريبي فهو، وكمقترح، قانون ضريبة الاستهلاك الانتقائي، وبالمناسبة هناك الكثير من الدول اليوم خاصةً في منطقة الخليج العربي تفكر جدياً بإقرار هذا القانون بعد أن تم طرحه على جدول اجتماعات دول مجلس التعاون الخليجي.
إن هذا القانون يعني فرض ضرائب بنسبة عالية على بعض الكماليات الاستهلاكية كالتبغ والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة على سبيل المثال، أو فرض رسوم أكبر على المركبات الشخصية ذات المحرك كبير الحجم، أو فرض رسوم ضريبية أكبر على المركبة الثانية أو الثالثة التي تملكها الأسرة الواحدة، ويمكن إضافة السلع التي لها بديل وطني إلى القائمة. ويمكن توسيع هذه القائمة لتشمل عدداً كبيراً من السلع الاستهلاكية التي تعد ضارة بالمستهلك أو البيئة أو الاقتصاد الوطني.
ومن النتائج المباشرة لهذا النوع من الضرائب أنها تدفع المستثمرين باتجاه توظيف أموالهم في قطاعات أخرى ذات أهمية أعلى، وأنها تدفع المستهلك باتجاه إعادة ترتيب أولويات الصرف لتكون الحاجات البشرية الأساسية في المقدمة، بمعنى أنه لا خشية من ضعف التداول بالسلع في أسواق السلطنة، لأن المستثمر والمستهلك سيسعيان لتصحيح اتجاهاتهما ليس أكثر.

المحور الثاني: صكوك أفراد

بما أن ضريبة السلع الانتقائية كما قلنا، ستساهم في تصحيح السلوك الاستهلاكي للأفراد، يصبح من المتوقع بطبيعة الحال أن يرفع الأفراد من مدخراتهم. وخير وسيلة للاستفادة من هذه المدخرات هي إصدار صكوك للأفراد، ويجب أن تكون المؤسسة أو الشركة المصدرة لهذه الصكوك وطنية بالكامل وحكومية بالنسبة الأكبر، بحيث نضمن توظيف أسعار الصكوك المباعة للأفراد في سد جزء من عجز الموازنة وفي التخفيف من حجم الدين الخارجي، ومن ناحية ثانية يصبح المواطن العماني أو المقيم على أرض السلطنة شريكاً بنسبة مشاع في مشاريع التنمية تتحدد نسبتها بحجم الصكوك التي اشتراها.
ولعـــل تجربة الإمارات العربية المتحدة في تأسيس شركة الصكوك الوطنية، وهي شركة تبيع الصكوك للأفراد والتي جمعت حتى الآن أكثر من ستة بلايين درهم إماراتي، تعد من أهم التجارب في هذا المجال في منطقة الخليج العربي.

المحور الثالث: السياسات المالية

على تلك السياسات أن تتمحور حول السيطرة على التضخم، وتمويل الاستثمار الإنتاجي والحد من الاستهلاك الفردي عبر تشديد الشروط على القروض الاستهلاكية. قد تكون هذه المحاور مستغربة بعض الشيء عندما يطرحها رجل مصرفي، لكنها ستبدو طبيعية عندما نؤكد جميعنا أن ولاءنا للسلطنة واهتمامنا بمستقبلها وأمنها واستقرارها، يفوق أي مكاسب لحظية، إن السياسات المالية التي تتوخى الربح من الشراكة في عملية الإنتاج بدل الربح من الفائدة، ضرورة أفرزتها تجربة السنوات العشر الفائتة. على المصارف أن تنخرط في عملية التنمية بدون المساس باستدامتها أو المغامرة بمصيرها، ومن هنا أقول إن فرض قيود قانونية على القطاع المالي بدل الاستمرار في التغني بحرية الأسواق قد يعد من ضرورات مرحلة تاريخية لا يمكن فيها تجاوز هذه الخطوة.
المحور الرابع: توجيه الاستثمار الأجنبي نحو قطاعات الإنتاج التي حددها برنامج «تنفيذ»
هذا التوجيه يكون عبر تحفيز الشركات التي تضخ أموالها وخبراتها في خدمة مسيرة التنمية باتجاهاتها التي حددتها المؤسسات العمانية، وبفرض رسوم كبيرة وضرائب أعلى على الشركات التي لا تريد أن تخرج من دائرة تشجيع استهلاك السلع الكمالية.
ما أريده من هذا المقال أن نفتح نقاشاً ثقافياً واسعاً أو كما يسمونه «التفكير خارج الصندوق»، ينتج ابتكارات وصوراً جديدة غير تقليدية لسد عجز الموازنة، فلنتطلع إلى تجارب الآخرين ونتبنى منها ما ينفع، والأهم هو عدم تكرار ذات المسارات التي أضرت بالكثير من الدول، فقط لأنها تعاملت مع الوصفات الدولية الجاهزة للحد من الصرف وسد العجوزات.

رئيس مجلس إدارة بنك عُمان الوطني