حكومة واحدة وليست جهة واحدة!

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٩/يناير/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
حكومة واحدة وليست جهة واحدة!

علي بن راشد المطاعني
ali.matani2@gmail.com

يكتسب بيان مجلس الوزراء الخاص بمناقشة الجهود المبذولة لتوفير فرص العمل للمخرجات الجامعية والدبلوم وغيرها من المؤهلات أهمية كبيرة على العديد من المستويات التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك على العديد من المنطلقات التي تعكس حرص حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله- على ديمومة التنمية الشاملة في البلاد، وتهيئة كل الظروف للاستفادة من طاقات الشباب‏ العماني المتدفقة صوب سوق العمل وتهيئة الظروف الملائمة لها لخدمة وطنها. فمناقشة الحكومة لموضوع الباحثين عن عمل وتخصيص جلسة مجلس الوزراء ليوم الثلاثاء الفائت الموافق 24 يناير 2017 الجاري لمتابعة الجهود المبذولة للتوظيف في القطاعين العام والخاص ومبادرات الأعمال في حد ذاتها تعد تطوراً مهماً يعكس الاهتمام بالإشكاليات والعثرات التي تواجه الشباب العماني في الحصول على عمل، وضرورة إيجاد مخرج عملي وواقعي يحل هذه الإشكاليات المتراكمة في السلطنة منذ فترة، رغم الشواغر وفرص العمل المتوفرة التي تناهز مليوني فرصة عمل يشغلها أجانب.

هناك فجوات يجب أن تسد تتمثل في عدم التنسيق الحكومي المتكامل في هذا الشأن، فتوسيع دائرة الاهتمام بموضوع الباحثين عن عمل على مستوى الحكومة، وليس قصره على الجهات المختصة فقط في اعتقادنا بداية التغيير في معالجة المشكلة.

إن اهتمام الحكومة بكافة أجهزتها ووحداتها ومسؤوليها بالتعمين في القطاعين العام ‏والخاص، من شأنه أن يعمل على الوقوف على المشكلة بكافة جوانبها، وإيجاد الحلول لها بما يسهم في تمكين أبنائنا من سبر أغوار سوق العمل في القطاعين وريادة الأعمال، وإيلاء الموضوع الأهمية التي يستحقها من كافة الجهات أمر تمليه الضرورات التي لا جدال فيها مهما كانت المبررات، فلكل التحديات حلول ولكل الصعوبات علاج وسوف تذلل بحول الله إذا تضافرت الجهات الحكومية أولاً، وأدركت أنها مسؤولة كغيرها من الجهات، وأن هناك متابعة من مجلس الوزراء سوف يتبعها تقييم دقيق وشامل.

فإذا لم تتضافر الجهود الحكومية كل في مجال اختصاصه في إيجاد حلول لإشكاليات الباحثين عن عمل، فلن تستطيع جهة بعينها إيجاد حلول سحرية، فعلى سبيل المثال وزارة الصحة معنية بإلزام المستشفيات الخاصة والصيدليات بالتعمين وإيجاد وظائف لخريجي الصيدلة والتمريض، والوزارات والهيئات الحكومية والشركات كلها معنية بتحقيق نسب التعمين المرصودة لها حكومياً قبل إسناد مناقصات الإنشاءات وأعمال المقاولات، ووزارة التربية والتعليم معنية بفرض نسب التعمين في قطاع المدارس الخاصة لاستيعاب الخريجين والخريجات في مجال التعليم، وكذلك وزارة التعليم العالي في مؤسساتها العليا كالكليات والجامعات، وعلى الهيئة العامة للكهرباء والمياه مسؤولية إلزام الشركات باستيعاب المهندسين في هذا القطاع، بل هي معنية أكثر بفرض نسب التعمين في قطاعي الكهرباء والمياه، وعلى وزارة الدفاع وشرطة عمان السلطانية أن تلزما الشركات المتعاقدة معها بنسب التوطين، وإتاحة الفرص أمام الشباب العماني، وهكذا على كل الجهات التي تسند أعمالاً أو ترخص لمزاولة مهنة كالمكاتب الهندسية والمهنية أن تقوم بدورها كاملا.

فالشركات تحتاج إلى أعمال ومناقصات قبل كل شيء لكي يبقى وجودها في السوق فاعلا، وبما إن الأمر كذلك فإن الالتزام باشتراطات الجهات التي تسند تلك المشاريع يؤدي بالضرورة إلى الوفاء بنسب التعمين المحددة كل في مجاله، فالمشاريع والمناقصات والتراخيص وغيرها كلها وجميعها تعد عوامل رئيسية ومهمة لحفز القطاع الخاص على الالتزام بنسب التعمين والتدرج فيه وفق المستويات الإدارية والفنية.
الجانب الآخر الذي يدعو للتكامل من كافة الجهات الحكومية لإنجاح سياسات التعمين، هو حقيقة إن إمكانيات جهة واحدة، كوزارة القوى العاملة نجدها بسيطة مقارنة مع أعداد العمالة الوافدة البالغة 1.800.000 عامل في حين يبلغ عدد الشركات أكثر من 150 ألف شركة، ويقدر عدد العمانيين العاملين في القطاع الخاص المسجلين في التأمينات الاجتماعية أكثر من 214 ألف عامل، فلا يمكن للوزارة أن تسيطر على هذه الأرقام الهائلة في ظل تعارض وتضارب المصالح بين أطراف الإنتاج الثلاثة وهم العامل وصاحب العمل والحكومة.
ما ينبغي أن تدركه الحكومة أنه ليس هناك نسبة وتناسب بين إدارة القوى العاملة في البلاد بكل شخوصها وشركاتها، وبين الجهة المنظمة لها، من الطبيعي جداً أن يكون هناك عدم سيطرة لسوق يشوبه عدم التنظيم أصلا، لذا فإن معالجة هذا الجانب يتأتى من خلال تعزيز هذه الجهة بحيث تكون هناك نسبة وتناسب في إدارة العمل يسهم في ضبط سوق العمل.
ينبغي التسليم بأنه لا يمكن أن تنجح سياسات التعمين والتوظيف في البلاد ما لم تتضافر كل الجهود الحكومية في التحدث بلغة واحدة وبلسان واحد، والعمل بنظام واحد، أما الوضع الراهن، فلا اعتقد أنه من الممكن أن يسهم في تحقيق نجاحات ملموسة ومتواصلة وجذرية تؤدي لإيجاد حلول لمشكلة الباحثين عن عمل في البلاد، وعبر هذا التحليل نتطلع إلى أن تغدو هذه القضية هي محور الاهتمام الدائم لدى الحكومة وباعتبار أن التنمية البشرية أولوية لا يعلى عليها في مسار التنمية.