
محمد محمود عثمان
مئة عام تمر منذ العام 1916 آخر تاريخ لتقسيم العالم العربي بواسطة إنجلترا وفرنسا من خلال اتفاقية "سايكس - بيكو"، هذه المعاهدة التي تستميت الدول العربية في المحافظة عليها حتى الآن بما تمثله من تمزيق لشمل الأمة العربية وتسببت في تشتيت الجهود وتكريس الحدود والحواجز التي تحرم المواطنين العرب أو السياح الأجانب من حرية أو سهولة التنقل، التي تنشط السياحة الوافدة والسياحة العربية البينية، ونسوا أو تناسوا أنهم أمة واحدة وأن تلك الحواجز والحدود من صناعة أعدائهم، في الوقت الذي نجح فيه الاتحاد الأوروبي في التغلب على هذه الإشكالية بتوقيع اتفاقية "شنجن" وهذه الاتفاقية استوعبتها الدول الأوروبية وفكرت فيها مبكرا منذ ثلاثين عاما تقريبا، ليس في السياحة فقط بل في قطاعات أخرى أهمها الجمارك والحدود وسوق العمل، لأن اتفاقية "شنجن" تعد بمثابة تصريح بالإقامة يستطيع حاملها السفر إلى دول الشنجن المختلفة التي تبلغ نحو 26 دولة أوروبية، وتمنح تأشيرة الشنجن حاملها حق التنقل والإقامة في دول الشنجن لمدة 90 يوماً، وقد استوعبت الدول الأوروبية سلبيات هذه الاتفاقية حتى تمكنوا من الاستفادة من إيجابياتها، ولكن على الصعيد العربي ورغم وجود مجلس التعاون الخليجي الذي يشكل الصيغة العربية الوحدوية الوحيدة الناجحة في الوطن العربي في العصر الحديث حتى الآن، وهو الأقرب إلى تطبيق آلية عملية لتنقل السياح والمقيمين على أرضه، إلا أنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى الآلية المناسبة أو الناجعة التي يمكن أن نطلق عليها "شنجن" الخليجية، كخطوة أولى على طريق "شنجن" العربية التي نحلم بها منذ أمد بعيد، لأن هذه الاتفاقية تعتمد في الأساس على إلغاء الحدود والجمارك وهي نظرة مستقبلية ثاقبة لمواجهة الكثير من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعد الأساس للوحدة العربية، وإن كانت ربما ستتسبب في بعض المشاكل، إلا أنها قدر لابد منه إن عاجلا أو آجلا، ونحن في البلاد العربية في حاجة حقيقة لمراجعة مواقفنا وأفكارنا ومعتقداتنا حول ما نعانيه من تقوقع وتشرنق داخل حدودنا إلى درجة تقترب من الانغلاق، في الوقت الذي يعاني منه العالم من الانفتاح، حتى نتمكن من مواجه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز السياحة الإقليمية العربية لتبلغ مستويات تقارب نسب السياحة الإقليمية في مختلف مناطق العالم، ولا يمكننا تحقيق ذلك بدون رؤية واضحة وأهداف محددة وخطوات مقننة تسهم جديا في المساهمة بشكل أمثل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة بالدول العربية، وكنا نأمل من مجلس وزراء السياحة العرب، أن يتبنى ذلك الحلم، وهو منعقد تحت لواء جامعة الدول العربية، بعد مئة عام من تقسيم الوطن العربي في العام 1916، حتى يمكن أن نكسر هذا الحصار الذي فرض على الدول العربية بواسطة سايكس - بيكو، ليحرمها من الوحدة والتعاون والاندماج الذي يؤهلها لزيادة التبادل التجاري وتنشيط السياحة البينية والاستفادة من ثرواتها وخيراتها، باعتبار أن السياحة قاطرة التنمية في كثير من الاقتصادات الحديثة التي تجعل من السياحة صناعة قائمة بذاتها وبمقوماتها، ويمكن من خلالها بناء قاعدة للاستثمارات وتبادل التجارب الناجحة والأيدي العاملة والخبرات وتوطينها، وفتح مساحات كبيرة للتقارب، لأننا كدول عربية، أولى من أوروبا بذلك لتوافر العوامل الثقافية والدينية واللغة والعادات والتقاليد المشتركة، على أن نضع الضوابط التي تواجه السلبيات المتوقعة، والتي لا يجب أن ننشغل بها عن الهدف الأساسي وهو تنمية السياحة البينية العربية حتى يمكن لقطاع السياحة العربية أن يستقطب ويستوعب حركة السياحة العكسية التي تتسع الآن نتيجة للظروف الأمنية وحوادث الإرهاب والتحولات السياسية التي تتعرض لها بعض الدول العربية والأوروبية، وهذا يدعونا إلى التفكير السريع في وضع استراتيجية عربية موحدة للترويج عالميا للمنطقة العربية في مجملها، وإنشاء مؤسسات تمويلية متخصصة مدعومة من الحكومات العربية لدعم وتنشيط السياحة وتمويل الاستثمار السياحي، بإنشاء مؤسسات تمويلية متخصصة تتبناها الحكومات العربية لدعم وتنشيط السياحة العربية والتمويل والاستثمار الذي يدعم التكامل السياحي العربي، الذي يعظم الاستفادة من وجود المميزات النسبية السياحية لكل دولة عربية أو لكل مجموعة منها.
---------------------------------
mohmeedosman@yahoo.com*