
القاهرة- خالد البحيري
في العام 969 للميلاد لم يدر بخلد القائد الفاطمي جوهر الصقلي أن الشارع الذي اختطه متوسطا القاهرة الفاطمية ويحمل إسم المعز لدين الله، سوف يصبح يوما ما أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم من حيث عدد المساجد، والمدارس، والتكايا (جمع تكية) والأسبلة (جمع سبيل)، والبوابات التي يتم غلق كل مساء لحماية سكان القاهرة من أي اعتداء.
لكن المؤكد أن نجيب محفوظ وهو يخط ثلاثيته (بين القصرين- قصر الشوق- السكرية) كان يؤرخ عبر شخوص روايته الأفضل عربيا حتى الآن لهذا الشارع التاريخي، ويحكي فصولا من تاريخ ممتد شهدته أزقة وحواري هذا الشارع الذي شهد موكب الخليفة، وصراعات المماليك، وحماقات الاحتلال الإنجليزي الذي جثم على صدر المصريين قرابة 80 عاما.
مؤخرا قررت الحكومة المصرية بعد تطوير الشارع ومنع مرور السيارات بداخله، وتعبيده أمام السائحين، ومع تزايد التجارة (جملة وتجزئة) أن تعيد الخيالة لبسط نفوذ الدولة وطمأنة المارة والتجار والزائرين، لكن بشكل يختلف عن المتعاد، فلم يعد هناك مكان لسيارات الشرطة أو الدراجات النارية، وإنما 4 من الخيل يعتليها رجال شرطة تم اعدادهم خصيصا لهذه المهمة، مع دورات متقدمة في التعاطي مع المواقف الطارئة، وحسن معاملة الجمهور.
ولا يخلو الأمر من بعض أدوات التكنولوجيا الحديثة، مثل سترات واقية من الرصاص وأجهزة لاسلكي، وبعض البنادق الحديثة.. والتي حلت محل السيف والرمح والسترة التي كان يرتديها الفرسان في الحروب التقليدية، أو تلك التي نشاهدها في الأفلام التاريخية، لتعيد بذلك إلى الأذهان ما كان معتادا من امتطاء رجال الشرطة للخيل في القاهرة والمحافظات حتى العام 1952، أو بعض الإبل (الهجانة) في تأمين المناطق الحدودية والجبلية.
غرفة العمليات
وعلى طريقة خفر السواحل يبدأ شرطيان من الشارع من جهة اليمين، ويلتقيان من القادمين من جهة الشمال في منتصف الطريق، ويتم ارسال تقارير الحالة الأمنية على مدار الساعة إلى غرفة عمليات تتعاون فيها شرطة السياحة مع المباحث الجنائية وقسم شرطة الجمالية التابع لها الشارع.
"الشبيبة" تجولت في حواري شارع المعز والتقت بعضا من رجال الخيالة للوقوف على هذه التجربة الفريدة، خاصة بعد انتعاش الحركة في هذا المكان واقبال السائحين على قضاء ساعات طويلة يتم خلالها تصوير الآثار والاستمتاع بفنونها المعمارية الراقية.
ومن فوق جواده قال لنا مجند بشرطة الخيالة أحمد السيد: هذه الخيول تابعة لجهاز الشرطة، و أعد لها مكانا مخصصا بقسم الجمالية لرعايتها ومبيتها واطعامها، وهناك أربعة خيول تسير بين جنبات الشارع الأثري لحفظ الأمن والأمان بالشارع والأماكن السياحية لضمان أمن المواطنين، وتقديم المساعدة للسياح وحمايتهم من بعض الخارجين عن القانون.
من جانبه تحدث مجند شرطة الخيالة محمد الهلالي قائلا: تم تدريبنا على ركوب الخيل والتجول به في الأحياء الأثرية وكيفية معاملة المدنيين في الشارع، وقد فوجئنا بتقبل الجمهور لشرطة الخيالة وحرصهم على التقاط الصور معنا ونلتقي الكثير من عبارات الامتنان والشكر لدور الشرطة في حفظ الأمن والتعامل الراقي وسلامة المواطنين.
وأضاف: أجمل ما في الأمر أننا نقابل مواطنين وسائحين يطلبون أن يلتقطوا معنا صورا تذكارية ثم نجدها على مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وأغلب جمهورنا من الأطفال الذين نرى نظرات الاعجاب في أعينهم ويقولون إنهم يتمنون أن يصبحوا يوما ما رجال شرطة ويركبون الخيل مثلنا.
اما مجند في شرطة الخيالة إبراهيم عبد الهادي الجيار فيقول نحن سعداء بهذا العمل الشرطي والتفاعل مع الجمهور بشكل مباشر، أضاف: "نحن نلتقط الصور مع الوافدين لشارع المعز أكثر ما بنشتغل"، لقد حققنا الهدف المرجو من تواجدنا وهو أن نعيد الأمان لشوارع القاهرة وتعود الثقة بين الشرطة والشعب وتواجدنا بشارع المعز له العديد من الأهداف منها: حفظ الأمن والحفاظ على روعة شوارعنا التاريخية ثم القضاء على ظاهرة التحرش في الشوارع الجانبية التي كان يصعب علي عربات الشرطة أن تصل إليها، علاوة على طمأنة السياح الأجانب للعودة إلى زيارة مصر وأنها عادت كسابق عهدها تحتضن السياحة الأجنبية من كل بلدان العالم ليستمتعوا بحضاراتنا العريقة وينعموا بالأمن في شوارعنا.
ارتياح التجار
ولاقى انتشار عناصر الخيالة في شارع المعز بالقاهرة أستحسان أصحاب المحلات والعاملين، فقال صاحب محل أشغال نحاس أحمد عبد الرحمن المحمدي: إن مشاهدة عناصر شرطة الخيالة في شوارع القاهرة أمر في غاية الروعة ويشعرنا بالسعادة والاطمئنان والتفاؤل بأن السياحة ستنتعش مرة أخرى لبلدنا بعد أن كنا نشعر بالإحباط وفقدان الأمل في عودتها.. نعم كان الحال في شارع المعز "مزري للغاية" لتوقف النشاط السياحي برغم ما للمكان من عبقرية تاريخية وزاخر بالمباني الأثرية التي تعود لأكثر من ألف عام.
فضلا عن أنه من أهم الشوارع ويمتد من باب الفتوح الى باب زويلة وهذه المسافة تضم شوارع باب الفتوح وأمير الجيوش والنحاسين وبين القصرين والصاغة والأشرفية والعقادين والمناخلية والمنجدين والسكرية.. وجميعها مناطق أثرية تاريخية.
وعلى مقربة منه التقينا أحد باعة التحف المقلدة فقال: برغم أن حال الشارع كان يرثى له إلا أنه كان يستقبل كل يوم مئات الآلاف من الزائرين المصريين راغبي التبضع، وكذلك السائحين، وقد قامت الحكومة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك بترميم الشارع وتجديده وجعله متحفا مفتوحا منذ العام 2008، وبالفعل انتعشت التجارة وزادت أرزاقنا إلى أن قامت ثورة 25 يناير ومن بعدها والسياحة في تراجع مستمر، ولم يعد يأتينا 25% من السائحين الذين كنا نستقبلهم من ذي قبل.
وعن تجربة الخيالة قال: خطوة جديدة قد تعجب السائحين الذين يعشقون التراث المصري والعربي، وسوف تحافظ على الأمن، وتعطي منظرا جميلا، لكن الأهم هو احتياجنا إلى خطط فعلية وجهود حقيقية ليعود السائح إلى مصر، ويشعر مرة أخرى بالأمن والأمان فيها.
واختتم بالقول: الشكل العام ممتاز، لكن الجميع في الشارع وخارجه يعاني من قلة الموارد وارتفاع الأسعار حتى التحف المقلدة التي نستوردها من الصين أصبحت مكلفة، ولا تجد من يشتريها.
يذكر أن شارع المعز كان به العديد من الدكاكين وصل عددها من باب الفتوح إلى باب زويلة حوالي 1200 محل، ويبلغ طول الشارع من ميدان الجيش حتى حي العباسية حوالي 4800 متر وظل الشارع محتفظا بمكانته في العصر المملوكي وكانت له تقاليد يجب مراعاتها منها منع مرور الأبل المحملة أو الخيول الحاملة للبضائع.
وكان هناك قانون يحتم على أصحاب الدكاكين إنارة دكاكينهم بالقناديل طوال الليل، وأن يكون لدى كل منهم وعاء من الفخار "زير" مملوء بالمياه لمكافحة حالات الحريق لا قدر الله، وكان أمراء المماليك يخصصون عمال نظافة وجمع قمامة لهذا الشارع، فضلا عن تعيين "عسكري درك" لفرض الأمن وحماية أموال التجار.