
بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلامي
أكثر من خمس سنوات مضت منذ بدء تطبيق منظومة قياس الأداء الفردي والإجادة المؤسسية وما زالت المنظومة تثير الجدل والامتعاض لدى شريحة واسعة من الموظفين. فكلما تصدّر خبر عنها، انهالت التعليقات الرافضة والمنتقدة، مسهبة في سرد السلبيات، ومؤكدة أن "إجادة" ظالمة وغير منصفة. ويتساءل كثيرون: لماذا الاصرار على المضي فيها وسط هذا الرفض؟ وهل هناك من ينصت حقًا لكل ما يُقال؟
لا أتحدث هنا بصفتي موظفًا يروي تجربة شخصية عن إجحاف لحق به بسبب طريقة تطبيق المنظومة على وضعه الوظيفي، بل من واقع ما يعيشه مئات الموظفين في مؤسسات حكومية مختلفة، ممن فضّلوا الصمت على الاعتراض، إداركًا أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، كما عبّرت عطاف رام في روايتها "المرأة ليست رجلًا": "من الأفضل التزام الصمت أحيانًا، فقد تجرح الحقيقة أكثر من أي شيء آخر"، قبل أن تتوصل إسراء، إحدى شخصيات الرواية، إلى قناعة بأن "الصمت هو الحل الوحيد وأنّ الخنوع أسلم من الاعتراض".
لا شك في حسن نية من صاغ هذه المنظومة وسعيه لربطها بالأهداف المؤسسية ورفع كفاءة الجهاز الإداري وفق رؤية عُمان 2040، لكن المدهش أن كل ما أثير من سلبيات عبر مجلس الشورى والمقالات والتحقيقات الصحفية ونقاشات البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية لم تجد آذانًا صاغية. وهنا يبرز السؤال: هل تُراجع تلك الملاحظات والانتقادات الموضوعية أم تُترك لتتكرر؟
في إحدى جلساته، استعرض مجلس الشورى مشكلات التطبيق العملي: قصور التدريب، اعتماد نتائج الدورة الأولى دون وضوح ما أدى إلى تقييمات غير عادلة، وفرض نسب ثابتة للتقييم أضعف الجدارة وأثر على تكافؤ الفرص، وزعزعة ثقة الموظفين في العدالة التنظيمية وتراجع الحافز نحو الإبداع.
الصحف المحلية بدورها تناولت المنظومة في تحقيقات ومقالات نقدية. ففي تحقيق موسع لجريدة عُمان بعنوان "إجادة.. بين تحديات المعايير وتحقيق العدالة والشفافية" أُثيرت مسائل تتعلق بصعوبة فهم آلية منح المراتب، والجدل حول منحنى توزيع النسب، وتأثير المسؤول المباشر في التقييم، إضافة إلى اختلاف صياغة الأهداف بين المؤسسات. ورسم التحقيق صورة متباينة: خطاب رسمي يؤكد نجاح المنظومة في رفع الكفاءة، في مقابل أصوات موظفين يرون أن "إجادة" أضعفت العدالة وأثقلت بيئة العمل.
وفي مقال بعنوان "إجادة وصناعة الوهم" بجريدة الرؤية، اعتبر الدكتور سيف المعمري أن المنظومة تحولت إلى أداة لإنتاج الوهم بدلًا من أن تكون مشروعًا تطويريًا، مقترحًا التفريق بين حق التقدير لكل موظف وحق المسؤول في التحفيز، وإلغاء تحديد النسب المسبقة، ومنح كل موظف حقه وفق أدائه الفعلي، وصياغة أهداف مؤسسية محدودة بدلًا من الأهداف الفردية، وتشكيل لجان محايدة للتظلمات، وعدم ربط الترقيات والعلاوات بالمنظومة، واستبدال المكافآت الفردية بمكافآت مؤسسية جماعية.
وفي مقال آخر نشر بجريدة عُمان تحت عنوان "منظومة إجادة.. إلى أين؟" طرح الدكتور حميد البوسعيدي رؤية نقدية تطرق فيها إلى أن الصيغة الحالية ل"إجادة" سينتج عنها نتائج عكسية، مشيرًا إلى تراجع الحافز وضعف الثقة في المنظومة وظهور حالة من الإحباط والاحتقان الوظيفي، مضيفًا أن إصلاحها يتطلب مراجعة شاملة للآليات، مع التركيز على العدالة والشفافية وتحفيز الموظفين بدلًا من إحباطهم.
الكاتبة هدى حمد في مقالها "منظومة إجادة وما يندحق عنها" تحدثت عن تحول المنظومة من مشروع محفّز للموظفين ومعزّز لكفاءتهم إلى أداة تُولّد الإحباط والظلم، داعية إلى إعادة النظر في آلياتها وضمان عدالة حقيقية في التقييم والتحفيز. وتطرقت هدى إلى أن الموظف مهما اجتهد سيجد نفسه في خانة "جيد"، لأن التقديرات مرتبطة بنسب محددة مسبقًا، ما يضعف العدالة ويغلق باب التميز أمام الأغلبية.
وأشارت إلى غياب العدالة الوظيفية، حيث تضع المنظومة جميع الموظفين في خانة واحدة رغم اختلاف طبيعة أعمالهم، ما يخلق شعورًا بالظلم. واعتبرت الكاتبة أن ربط المنظومة بالعلاوات والترقيات قبل معالجة أوجه القصور فيها جعلها مصدرًا للإحباط بدلًا من التحفيز. وتطرقت إلى مسألة توزيع المكافآت بشكل غير منصف بالقول: "بعض المسؤولين – رغبة في إرضاء الموظفين – ذهبوا إلى توزيع "الأنصبة" كما يوزعون "الكعك"، فمن لا يحصل عليها هذا العام سيحصل عليها العام المقبل، وهكذا انتفى غرض المنظومة الأصلي! بينما احتكم بعض آخر لمزاجيته، وبعض قليل ظل مرعوبًا من غمس يديه في هذا الوحل".
أما الكاتب سالم العبدلي في مقال "إجادة بين الإيجابيات والسلبيات" بجريدة الشبيبة، فانتقد ربط المنظومة بالترقيات والمكافآت، وحصرها في نسبة محددة من الموظفين، مشيرًا إلى أن بعض المؤسسات تعاملت مع التقييم بشكل شكلي أفقد المنظومة فعاليتها.
ما يمكن استنتاجه مما سبق هو أن المنظومة وُجدت لتكون مرجعية موحدة لقياس الأداء الوظيفي، غير أنها - كما يراها الموظفون ويكتب عنها الصحفيون - وقعت في سلبيات قلّصت من تقبّلها وأضعفت أهدافها المعلنة. إن التحدي الأكبر الذي واجه "إجادة" اليوم هو استعادة الثقة بعدالة القياس؛ فالموظفون يردّدون باستمرار شكوكهم في جدوى المنظومة وإنصافها. ويرى بعضهم أنها جاءت لتجاوز استحقاقات الترقية القانونية في وقتها المحدد. وهذه الثقة لا تُبنى بالتصريحات المنمقة والوعود المكررة، وإنما تحتاج إلى خطوات عملية يلمسها الموظف في واقع مؤسسته، لا في خطابها الرسمي.
لذلك يصبح من الضروري التركيز على توسيع نطاق الشفافية في معايير التقييم، وتقليل الاعتماد على رأي المسؤول المباشر عبر إدخال آليات مراجعة أكثر مصداقية، وإعادة النظر في منحنى توزيع النسب، مع مراعاة خصوصية كل وظيفة وطبيعة مهامها. كما ينبغي الفصل بين تطوير الموظف ومستوى التقييم، بحيث لا يُختزل مساره المهني في رقم أو نسبة.
ومن الطبيعي أن أي نظام لقياس الأداء لا يُعفى هو نفسه من الخضوع للقياس والتدقيق والمراجعة، وتصحيح ما يظهر فيه من ثغرات. وعلى ضوء ذلك، يظل السؤال الأهم حاضرًا في كل نقاش حول هذه المنظومة: إلى أي مدى ستواصل "إجادة" مسارها الحالي قبل أن يُعاد النظر فيها ومعالجة ثغراتها بجدية؟