
بقلم : أحمد فيصل الجهضمي
في الرياضة لحظات تختصر سنوات من العمل، ومنصات تتحدث فيها النتائج بلغة الإنجاز، وأبطال يتركون بصمتهم وهم يحملون علم الوطن عاليًا في المحافل الخارجية. ومن القاهرة، جاءت الحصيلة العُمانية في البطولة العربية للجولف للفئات السنية لتمنح الرياضة العُمانية لحظة فخر جديدة، بعدما عاد نجوم المنتخب الوطني بميداليتين ذهبيتين وميدالية فضية، في إنجاز يستحق التوقف عنده، ليس فقط لقيمة ما تحقق، بل لما يحمله من دلالات على تطور اللعبة والطموح نحو مستقبل أفضل.
ثلاث ميداليات عربية كانت كافية لتؤكد أن الجولف العُماني يسير في الاتجاه الصحيح، وأن العمل مع الفئات السنية يمكن أن يثمر نتائج مشرفة متى ما اقترن بالموهبة والإعداد والمشاركة في البطولات التي تصنع الخبرة وتختبر القدرات.
في القاهرة، كتب أحمد خليل الوهيبي اسمه في سجل الإنجاز، بعدما تُوّج بالميدالية الذهبية في منافسات الفردي لفئة الشباب تحت 21 سنة، مؤكدًا حضوره القوي وقدرته على المنافسة على المراكز الأولى. ولم يكن الذهب موعده الوحيد مع منصة التتويج، إذ عاد ليشارك زميله آدم مسعود البرواني فرحة الفوز بالميدالية الذهبية في منافسات الفرق للفئة ذاتها، ليضيف اللاعبان ذهبية ثانية إلى رصيد السلطنة، ويمنحا المشاركة العُمانية قيمة فنية ومعنوية كبيرة.
أما الميدالية الثالثة، فقد حملت توقيع الموهبة الواعدة يوسف عزان الرمحي، الذي أحرز فضية الفردي لفئة الناشئين تحت 13 سنة، في نتيجة تعكس ما تمتلكه عُمان من مواهب قادرة على المنافسة منذ المراحل العمرية المبكرة. والحديث عن هذه الفضية لا يقتصر على لون الميدالية، بل يمتد إلى ما تمثله من أمل في جيل جديد يستطيع مواصلة الطريق، متى ما وجد الرعاية والاهتمام وفرص التطور والاحتكاك المستمر.
إن ما تحقق في القاهرة ليس مجرد ثلاث ميداليات تُضاف إلى سجل المشاركات العُمانية، بل هو مؤشر يستحق البناء عليه. فالجولف لعبة تحتاج إلى الصبر والانضباط والتركيز، ولا تأتي نتائجها بالمصادفة، وإنما هي ثمرة تدريب متواصل وخبرة تتراكم مع كل مشاركة. ومن هنا، فإن المحافظة على هذا المستوى تتطلب مواصلة العمل على إعداد اللاعبين، وتطوير برامج الفئات السنية، وتوفير المعسكرات والمشاركات الخارجية التي تمنحهم فرصة مواجهة مدارس مختلفة واكتساب المزيد من الخبرة.
ولعل ما يمنح هذا الإنجاز أهمية إضافية أن البطولة العربية جمعت لاعبين من دول تمتلك تجارب وخبرات متفاوتة في اللعبة، الأمر الذي يجعل الفوز بالميداليات ثمرة منافسة حقيقية، ويؤكد أن اللاعب العُماني قادر على إثبات حضوره متى ما أتيحت له الفرصة المناسبة. كما أن الجمع بين ذهبية الفردي وذهبية الفرق والفضية في فئة الناشئين يعكس تنوع الحضور العُماني، ويمنحنا سببًا للتفاؤل بمستقبل اللعبة.
شراكة تصنع الإنجاز وتبني المستقبل
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الإشادة بالدور الذي تقوم به وزارة الثقافة والرياضة والشباب في دعم الرياضة العُمانية والاهتمام بالمواهب الواعدة، إلى جانب الدور المحوري للأسرة التي تمثل الحاضنة الأولى للموهبة، وتوفر لأبنائها الدعم والتشجيع والصبر اللازم لمواصلة التدريب وخوض المنافسات وتحقيق الطموحات.
كما يستحق الاتحاد العُماني للجولف كل الشكر والتقدير على جهوده في رعاية اللاعبين، والعمل على تطوير اللعبة، وإتاحة الفرص أمام المواهب الشابة لتمثيل السلطنة في البطولات الخارجية. فخلف كل ميدالية حكاية من الإعداد والعمل والتضحيات، وجهود متكاملة بين المؤسسات الرياضية والأجهزة الفنية والأسر واللاعبين.
إن استمرار هذا التعاون وتكامل الأدوار هو الطريق نحو صناعة أبطال المستقبل، وترسيخ حضور الجولف العُماني على المستويين العربي والدولي، حتى لا تبقى ميداليات القاهرة مجرد إنجاز نحتفي به، بل نقطة انطلاق نحو نتائج أكبر وطموحات أوسع.
إنجاز رياضي يحمل فرحة وطن
وتكتسب هذه الميداليات الثلاث معنى وطنيًا خاصًا مع تزامنها مع يوم ميلاد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه. ففي هذه المناسبة الغالية، تأتي إنجازات أبناء المنتخب الوطني تعبيرًا صادقًا عن الولاء والانتماء، وهدية رياضية تحمل مشاعر الفخر والاعتزاز إلى المقام السامي، وتؤكد أن أبناء عُمان يواصلون تمثيل وطنهم بكل ما يملكون من عزم وإصرار.
فما أجمل أن تتزامن فرحة الوطن بميلاد قائده مع فرحة رياضية يحملها أبناؤه من قلب القاهرة، في صورة تختصر معاني الانتماء، وتجسد طموح الشباب العُماني في رفع راية السلطنة عاليًا في مختلف المحافل.
كل التهاني لأبطالنا أحمد خليل الوهيبي وآدم مسعود البرواني ويوسف عزان الرمحي، وللجولف العُماني بهذا الإنجاز العربي المشرف. والتحية لكل من أسهم في إعداد اللاعبين ودعم مشاركتهم، فصناعة البطل مسؤولية متكاملة تتطلب تضافر الجهود واستمرار الدعم، والإيمان بأن الاستثمار في المواهب هو استثمار في مستقبل الرياضة العُمانية.
ثلاث ميداليات من القاهرة، وفرحة تمتد إلى كل عُماني، ورسالة واضحة بأن المواهب الوطنية تستحق الاستثمار والثقة. ويبقى الرهان على مواصلة العمل حتى تتحول هذه النجاحات إلى مسار متواصل من الإنجازات، ويظل علم السلطنة حاضرًا على منصات التتويج في مختلف المحافل.
حفظ الله عُمان، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، وحفظ جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وأمدّه بموفور الصحة والعافية، لتواصل عُمان مسيرتها نحو مزيد من التقدم والازدهار، ولتبقى إنجازات أبنائها مصدر فخر واعتزاز للوطن.