
بقلم : عباس الزدجالي
تاريخ مسقط أمانة، ومبانيها القديمة ليست تفاصيل عابرة يجوز جمعها في رواية واحدة لمجرد تقارب مواقعها أو تشابه أسمائها. ومن ذلك القول إن مسجد الخور هدمه البرتغاليون، ثم أقاموا مكانه كنيسة، قبل أن يعود العُمانيون فيهدموها ويعيدوا بناء المسجد. إنها رواية تحتاج، قبل تداولها كحقيقة، إلى دليل يربط هذه المراحل بالموقع نفسه.
لا خلاف على ما تعرضت له مسقط خلال الهجوم البرتغالي عام ١٥٠٧م. ويذكر الباحث جون بيترسون في دراسته «مسقط مدينةً مينائية» أن البرتغاليين أحرقوا الجامع الكبير ذي البناء الخشبي في وسط المدينة، وأقاموا كنيسة بدلًا منه. لكن إثبات هذه الواقعة شيء، وتحديد أن ذلك الجامع كان في موقع مسجد الخور الحالي شيء آخر؛ فالتحديد يحتاج إلى وثيقة واضحة أو قرائن أثرية، ولا يكفي فيه التشابه أو التجاور.
ويزداد الالتباس حين تُجمع الكنيسة الأولى، ومجمع الجريزة البرتغالي، وبيت جريزة، ومسجد الخور، وكأنها أسماء متعاقبة لمبنى واحد. فبيترسون يذكر ديرًا أوغسطينيًا أُنشئ عام ١٥٩٧م ضمن المجمع المعروف بالجريزة، ويميّز بيت جريزة عنه بوصفه بيتًا بوسعيديًا قريبًا من موقع المجمع القديم. إن انتقال اسم أو بقائه في حيّ لا يعني بقاء المبنى نفسه، ولا تطابق حدوده ووظيفته عبر القرون.
وهنا تكتسب الصور التاريخية أهميتها. فصورة بيرسي كوكس المؤرخة عام ١٩٠٥م، والمنشورة برقم ٧١ في كتاب بيترسون «مسقط التاريخية»، توثق أطلال المبنى الذي يعرّفه تعليق الصورة بالدير البرتغالي أو الجريزة. وهي شاهد على بقاء تلك الأطلال إلى مطلع القرن العشرين، لا على زوالها جميعًا فور انتهاء الاحتلال.
وتأتي صورة أخرى، التقطها القس إيدوين أوبري ستورز فوكس في يناير ١٩١٨م، لتساعد في قراءة معالم المنطقة أسفل قلعة الميراني. وقد أوردها بيترسون برقم ٧٤؛ وفيها يمكن تتبع مسجد الخور وبيت جريزة وأطلال المجمع القديم بوصفها معالم متمايزة. والصورة ضمن ألبوم رحلة إلى الخليج العربي، وأصلها محفوظ في المكتبة البريطانية، وتتيحها مكتبة قطر الرقمية تحت المرجع Qatar Digital Library, Photo 496/6/7.
ومع ذلك، ينبغي ألّا نحمّل الصور أكثر مما تحتمل. فصورة من أوائل القرن العشرين توثق المباني القائمة آنذاك وعلاقاتها المكانية، لكنها لا تكشف وحدها طبقات البناء تحت الأرض، ولا تحسم موضع جامع هُدم قبلها بأربعة قرون. قيمتها أنها تمنع الخلط بين المعالم الظاهرة، وتدعو إلى التحقيق بدل القفز إلى الاستنتاج.
وثمة شاهد آخر لا يزال قائمًا داخل قلعة الميراني: كنيسة برتغالية صغيرة، أو مُصلّى مسيحي، ذو بناء دائري تعلوه قبة. ويصف مرجع التراث ذي الأصل البرتغالي هذا البناء بأنه متأثر بالعمارة الإسلامية، وله مدخل مزخرف وحوض للماء المقدّس يحمل نقشًا لاتينيًا. وهذا الحوض ليس «الكأس المقدّسة»، كما أن شكل القبة لا ينفي الوظيفة المسيحية الأصلية للمبنى.
وتوثق هذا المعلم صورة التقطها تشارلس ريتشارد بات، الضابط السابق بقوات السلطان المسلحة، ومحفوظة في أرشيف الشرق الأوسط بكلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، وقد سبق أن نشرتها في كتابي «مسقط»، الصادر عام ٢٠١٥م. وهو من أقدم المباني المسيحية الباقية في السلطنة، وبقاؤه يناقض التعميم بأن العُمانيين هدموا جميع الكنائس البرتغالية، وإن كان لا يثبت استمرار استخدامها للعبادة بعد رحيلهم.
إن مقاومة الاحتلال البرتغالي وتحرير مسقط عام ١٦٥٠م لا يمنحاننا، وحدهما، أساسًا لوصف مصير كل مبنى ديني. فالهدم أثناء الحرب، والتداعي بمرور الزمن، وإعادة الاستخدام، والإزالة اللاحقة، احتمالات مختلفة لا يجوز اختزالها في تفسير واحد بلا توثيق.
وعليه، فالرواية التي تجعل موقع مسجد الخور مسرحًا لتعاقب «مسجد، ثم كنيسة، ثم مسجد» تظل بحاجة إلى دليل يخص الموقع نفسه. وليس من الدقة الجزم بها، كما ليس من المنهج العلمي تحويل غياب الدليل إلى نفي مطلق لأي احتمال. المطلوب بسيط: وثيقة تحدد المكان، أو مخطط موثوق، أو بحث أثري يثبت التعاقب.
تاريخ مسقط يستحق أن يُقرأ من مصادره وآثاره، وأن تُحفظ لكل مبنى هويته. فالرواية المتداولة لا تصبح حقيقة بكثرة تكرارها، والتاريخ لا يُكتب بالاحتمالات!
عناوين الصور:
- أطلال الجريزة البرتغالية في مسقط — ١٩٠٥م
تصوير بيرسي كوكس؛ منشورة برقم ٧١ في كتاب جون بيترسون «مسقط التاريخية»، ويعرّفها تعليق الصورة بالدير البرتغالي أو الجريزة.
- مسجد الخور وبيت جريزة وأطلال المجمع القديم — يناير ١٩١٨م تصوير القس إيدوين أوبري ستورز فوكس؛ الصورة رقم ٧٤ في كتاب بيترسون. الأصل: المكتبة البريطانية، ضمن ألبوم رحلة إلى الخليج العربي؛ متاحة عبر مكتبة قطر الرقمية، المرجع Photo 496/6/7.
- الكنيسة البرتغالية الصغيرة داخل قلعة الميراني مُصلّى مسيحي دائري تعلوه قبة، بعدسة تشارلس ريتشارد بات، الضابط السابق بقوات السلطان المسلحة. المصدر: أرشيف الشرق الأوسط، كلية سانت أنتوني، جامعة أكسفورد. سبق نشر الصورة في كتابي «مسقط» عام ٢٠١٥م.