x

عادل الحمداني يكتب للشبيبة: أحمد درويش.. الذي علّمني أن أكون أنا

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٨/أكتوبر/٢٠٢٦ ١٠:٤٤ ص
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: أحمد درويش.. الذي علّمني أن أكون أنا
عادل الحمداني

بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلامي

المفارقة التي ما زالت حاضرة في مخيلتي منذ بدايات انخراطي في العمل الإعلامي، أن إذاعة سلطنة عُمان في تسعينيات القرن الماضي كانت تقدّم شخصين يحملان اسم “أحمد درويش”، يمثلان فكرين ومنهجين عربيًا وعُمانيًا، ويتقاطعان في جزئية تميز طرحهما عبر الأثير. أحد هذين الاسمين هو “المراغي” أحمد درويش الحمداني، العشريني القادم من إحدى قرى الباطنة، تسبقه قصصه القصيرة في مجلة النهضة، وسعة اطلاعه الأدبي، والمفعم بحيوية الطامحين إلى صناعة إعلام مفيد للإنسان ولسلطنة عُمان.

وأحسب أنني كنت محظوظًا لأن الفرصة كانت سانحة لي للاحتكاك بذلك “الشاب المراغي”، ومتابعة كل ما يكتبه، لدرجة أنني كنت أحتفظ بقصاصات الورق التي يكتب عليها ما يدور بخاطره، وأقرأ كل النصوص الدرامية والبرامجية التي يطلب مني طباعتها بعد أن يكتبها بخط يده.

من هنا تشكلت لديّ الرغبة في السير على خطاه في الإعلام، وتعاظم لديّ الشغف بكل ما يتصل بالعمل الإعلامي، فوجدت نفسي بين يدي معلم لا يبخل بما لديه، وفي حضرة إنسان يتمسك بمبادئه التي يؤمن بها، وواقعًا تحت تأثير الإعجاب بشخص متفرد، كما وصفه رفيقه في الإذاعة خميس البلوشي، أو بشخص ملائكي كما أحب أن أصفه، إن جاز لي ذلك.

وأنا أكتب المقال، أتساءل: كيف أكتب عن أحمد بن درويش الحمداني؟ هل أكتب عن الإعلامي الذي صنع اسمه طوال أربعين عامًا؟ أم أكتب عن الذي قدّم أعمالًا درامية تلفزيونية وإذاعية؟ أم أكتب عن المذيع الذي حاز محبة المستمعين وتقديرهم له، لدرجة أن رجلين، جاء أحدهما من الأشخرة إلى بركاء، والآخر من ينقل لتقديم واجب العزاء في وفاته، والتعبير عن المعزّة التي يحملانها تجاهه، دون أن يلتقيا به إلا من خلال صوته عبر الأثير؟ أم أكتب عن أحمد درويش كما أعرفه أنا، بمثابة أخي الأكبر قبل أن يكون عمي، وبصفته صديقي الأقرب؟.

كل ذلك ممكن، لكنني سأترك الحديث عن سطوع نجمه في الإعلام لرفقاء دربه من زملاء وتلاميذ، وسأترك الحديث عن أعماله الدرامية والبرامجية، فالكل يتناقل تفاصيلها رغم كثرتها وتنوّعها.

من السهل جدًّا أن نكتب عن مسيرته المهنية، لكن الأصعب أن نتحدث عن أحمد درويش الإنسان، بعيدًا عن ناقل الصوت ونصوصه الدرامية والبرامجية. فقد كان يحمل ما يؤمن به ليقدّمه إلى الآخرين عبر أعماله، وكأن الكتابة كانت وسيلته لتجسيد قناعاته لا مجرد أداة للتعبير. في إحدى القصاصات الورقية التي احتفظت بها طويلًا دوّن عبارة أعجبتني: “هناك من يقارنني بنفسي، ونفسي برئية مما أكتب”. هذه الكلمات تفتح بابًا للتساؤل: هل الكتابة مرآة تكشف حقيقة الإنسان، أم قناع يخفيه خلف الكلمات؟.

عرفت أحمد درويش كما عرفه الناس: هادئًا في حديثه، ثابتًا في مواقفه، متمسكًا بمبادئه، وقريبًا من الناس دون تكلف أو تصنع. وفي كل مرة أجلس في حضرته، كنت أرى الملامح التي تمنيت أن أتحلى بها يومًا. كثيرًا ما راودني السؤال: كيف استطاع أن يجعل حضوره في الحياة اليومية امتدادًا طبيعيًا لصوته الذي ترسخ في ذاكرة الناس؟.

أستعيد الآن لحظات كان يتلطف فيها بمزاحه، يناديني ب”لْمجيحدي” وأحيانًا ب”عجب”، وهما شخصيتان من أعماله الدرامية، وكأنه كان يرسم لي ملامح شخصية من شخصيات “عايش زمانه”. وفي كل لقاء منفرد بعيدًا عن الآخرين، كان الحديث يأخذني إلى أعماق قلبه، ويستخرج ما يفيض من قلبي أنا أيضًا. ومع كل جلسة معه، أحسب أنه، دون أن يفصح، يرغب في صناعة نسخة أفضل في شخصي، كأنما يورثني شيئًا من حضوره وصدقه وعمق أثره.

ما تركه أحمد درويش في نفسي، أنه كان يريد أن يراني أمضي في طريقي الخاص، وأن أكون نفسي دون أن أكرر تجربة أحد. منحني الأدوات، وترك أمامي مساحة واسعة لأشق دربي بوعي واستقلال. كنت ألجأ إليه، لأنه الوحيد الذي أستطيع أن أقول له ما لا أقدر على قوله لغيره. كان من أولئك القلائل الذين يمكن أن تمنحهم ثقتك دون تردّد، وتوقن أنك لن تعود منها خائبًا.

بالنسبة لي، كان أحمد درويش مدرسة حيّة متحركة، ففي كل لحظة معه كنت أسجل درسًا جديدًا، سواء عبر نصائحه المباشرة، أو جُمَله التي تحمل معنى عميقًا، أو نصوصه المكتوبة، أو التقاطاته الذكية لتفاصيل قد تمرّ دون أن ألحظها.

أحمد درويش الذي عرفته ورافقته كان بسيطًا إلى حد أن الأطفال يفرحون بوجوده ويأنسون بمداعباته العفوية. يروي لنا نواف أن ابنته الصغيرة، بعد رحيله، كانت تلحّ بالسؤال عنه وتطلب الذهاب لرؤيته، وحين أُخبرت أنه “ذهب إلى مكان أجمل، إلى الجنة” باغتتهم بسؤالها البريء: هل أخذ لابتوبه معه إلى السماء؟.

تلك البراءة الطفولية التقطت جانبًا من حياة جدها؛ فقد كان يحب عمله ويستمتع به، ويعشق الكتابة ويأنس بها. وما زالت تلك الطفلة تحتفظ بذكرياتها معه، حين كانت تغلق جهازه المحمول بعد أن تملّ من انتظاره، ثم تمازحه بقولها: “بسّك جدي من اللابتوب.. كله شغل شغل”، لتعلن بداية وقت المرح واللعب معه. وكان هو، بحب كبير، يتقبل منها ذلك، ويستجيب لرغبتها، كاشفًا عن إنسانية عميقة، تجعل حضوره ممتزجًا بالبساطة والدفء والقدرة على أن يكون قريبًا من قلوب من حوله.

لم يفاجئني حجم المشاعر التي عبّر عنها الناس بعد رحيله؛ فالمحبة التي ارتبطت باسمه كانت يقينًا عندي، لكنني أدركت عمقها حين رأيت شهادات أشخاص لم أعرفهم من قبل، يتحدثون عنه بالطريقة نفسها التي كنت أعرفه بها.

كنت أظن أنني الوحيد الذي يحاول أن يكون هو، لكنني اكتشفت أن لكل من عرف أحمد درويش ذكرياته الخاصة معه، ومواقفه التي أثرت فيه، ونصائحه التي احتفظ بها، وكلماته التي ظل ينقلها عنه. أما أنا فأحتفظ بصوته ونصائحه وذكريات لا يمكن لأحد أن يرويها نيابة عني. فالأثر الحقيقي يبقى في الذاكرة ويظهر في لحظة غير متوقعة؛ في كلمة عابرة، أو ذكرى مستعادة، أو في شخص يقطع مئات الكيلومترات ليقدّم واجب العزاء في رجل لم يلتقِ به يومًا، لكنه شعر أنه يعرفه منذ سنوات طويلة.

لهذا لا أرى رحيل أحمد درويش نهاية لقصة امتدت ستين عامًا، فهي بالنسبة لي بداية لعمل آخر نكمل فيه ما بدأه “المراغي”. فإذا كان الإعلام قد منح أحمد درويش المكان والمكانة، فإن الأخير أعطى أكثر مما أخذ؛ سنوات عمره، وحياته الخاصة، وفكره، وحبه لوطنه، ثم ترك صوته ونصوصه وسمعته الطيبة في نفوس من عرفوه عن قرب، وأولئك الذين شعروا أنهم يعرفونه من خلال صوته عبر أثير الإذاعة.

ستظل علاقتنا بأحمد درويش باقية، لا تنتهي برحيله، وسيظل حيًا في القلوب، حاضرًا في الذاكرة، ممتدًا في أثره الذي لا ينطفئ.