بدر زاهر الكيومي يكتب للشبيبة: من يروي قصة البراند في عصر الذكاء الاصطناعي؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٧/أكتوبر/٢٠٢٦ ١٠:٥٨ ص
بدر زاهر الكيومي يكتب للشبيبة: من يروي قصة البراند في عصر الذكاء الاصطناعي؟

في إحدى رحلاتي، كنت أبحث عن فندق. وكما يفعل كثير من المسافرين، بدأت بالصور. استوقفني فندق من فئة الخمس نجوم، بدا وكأنه يعرف كيف يقدم نفسه جيدا. غرف أنيقة، وإضاءة محسوبة، وتفاصيل منتقاة بعناية. كل شيء كان يقول إن الاختيار يكاد يكون محسوما، لولا أنني واصلت النزول في الصفحة حتى وصلت إلى تعليقات النزلاء.

هناك تغير الفندق. لم تتحرك الغرف من أماكنها، ولم تسقط النجمة الخامسة من واجهته، لكن شيئا ما تغير في الصورة التي تكونت في ذهني. لم تكن التعليقات سيئة، لكنها لم تحمل ذلك الرضا الذي وعدت به الصور. انتقلت إلى فنادق من فئة الأربع نجوم؛ أقل إبهارا على الشاشة، لكنها بدت أكثر إقناعا في تجارب نزلائها.

وهنا وجدتني أسأل: من صنع صورة الفندق في ذهني؟ الفندق الذي اختار أجمل صوره، أم النزيل الذي أغلق باب غرفته للمرة الأخيرة، ثم ترك وراءه بضع كلمات عن تجربته؟ ربما تمنح النجمة الخامسة الفندق مكانة، لكنها لا تستطيع أن تكتب له التعليق الخامس. ذلك التعليق يكتبه الناس. ولعل حكاية البراند تبدأ من هنا.

فالمؤسسة تستطيع أن تختار شعارها وألوانها، وأن تنتقي أجمل صورها، وتكتب الوعد كما تشاء. لكنها ما إن تفتح أبوابها للناس حتى لا تعود وحدها مالكة للحكاية. ولهذا أميل إلى التعريف: البراند هو المسافة بين ما تعد به الناس وما يعيشه الناس معك.

ولم تعد تلك المسافة صامتة كما كانت، ففي جيب كل عميل هاتف؛ كاميرا، ومنصة نشر، ومساحة للتقييم. وقد تكفي دقائق مع موظف أو تطبيق لتولد حكاية صغيرة، تغادر المكان مع صاحبها، ثم تبقى على الإنترنت سنوات، لقد أصبح العميل نفسه وسيلة إعلام.

وظل مشهد الفندق في ذهني حتى عاد إلي من باب آخر بين جلسات قمة الإعلام العربي في دبي، كان الذكاء الاصطناعي حاضرا في النقاشات حول الإعلام والاتصال المؤسسي والبراند. وبين تلك النقاشات، عدت إلى الفندق.

ماذا لو لم أقرأ التعليقات في الرحلة القادمة؟ ماذا لو سألت الذكاء الاصطناعي فقط: أين تنصحني أن أقيم؟

هنا يدخل راو ثالث إلى الحكاية.

كان البراند يقول: هذه صورتي، ثم قال العميل: هذه تجربتي، واليوم تأتي الخوارزمية، تقرأ ما قاله الاثنان وما تناثر عنهما، ثم تصوغ من كل ذلك إجابة واحدة.

فالشركات أمضت سنوات تتعلم كيف تظهر في نتائج البحث وكيف تجعل اسمها في مقدمة الشاشة. أما اليوم، فننتقل من البحث عن البراند إلى سؤال الذكاء الاصطناعي عنه، 

فبين البراند والعميل يقف الآن وسيط جديد؛ يقرأ آلاف الإشارات والتجارب والانطباعات، ثم يصوغ منها الصورة التي ستصل إليك في إجابة واحدة. لذلك قد يصبح السؤال الأهم: ما الصورة التي تصل إلى الخوارزمية عن البراند؟ وهل أصبح البراند يُصمَّم لكي تفهمه الآلة قبل أن يراه الإنسان؟

ومن يروي قصة البراند عندئذ؟ المؤسسة التي تصنع الوعد، أم العميل الذي يعيش التجربة، أم الخوارزمية التي تعيد روايتهما؟ ربما لا أحد يملكها كاملة.

وعندما أبحث اليوم عن فندق، ما زلت أنزل إلى أسفل الصفحة؛ ففي أعلاها أراه كما يحب أن أراه، وفي أسفلها أراه كما رآه الذين سبقوني إليه. أما غدًا، فقد أسأل الخوارزمية فقط عن حكايتي القادمة. وحينها لن أرى الصور ولا التعليقات، بل خلاصةً صاغتها آلة من كل ما قيل.

وربما عند ذلك ندرك أن معركة البراند لم تعد على من يملك الصورة، بل على من يملك الرواية التي سترويها الآلة للآخرين.