x

علي المطاعني يكتب: جوائز "الأفضل".. مَن يقيّم مَن؟

الخميس ٠١/أكتوبر/٢٠٢٦ ٢٢:٢٣ م
علي المطاعني يكتب: جوائز "الأفضل".. مَن يقيّم مَن؟
علي المطاعني

بقلم: علي بن راشد المطاعني

حكى لي أحد الرؤساء التنفيذيين، في لقاء جمعني به، قصة تستحق الوقوف عندها؛ إذ تواصلت معه إحدى الشركات أو المجلات، عارضةً عليه رعاية مسابقة سنوية لاختيار "أفضل الشركات والشخصيات" لديها، مقابل نحو 12 ألف ريال عُماني. والمسابقة – كما وصفها – تتكرر سنويًا، وتُجمع من خلالها الأموال تحت مظلة الجوائز والتكريم.

واستطرد الرئيس التنفيذي بما معناه: أنا لا أميل إلى تسويق نفسي كشخص، وإنما أترك العمل والإنجاز يتحدثان عني، فهذا النوع من المسابقات، عندما لا يستند إلى جهة مستقلة أو معايير معلنة وقابلة للتحقق، يصبح أمره مكشوفًا.

ومن هنا برزت من تلقاء ذاتها قضية أرى أنها جديرة بالطرح أمام الجهات المعنية، وهي ظاهرة انتشار مسابقات وجوائز وتصنيفات تمنح ألقابًا من قبيل "أفضل شركة" و"أفضل رئيس تنفيذي" و"أفضل شخصية" و"الأفضل في القطاع" وغيرها، دون أن يعرف المتلقي: مَن قيّم؟ ومَن هم الذين شملهم التقييم؟ وما حجم العينة موضوع المسابقة، إن كانت هناك عينة؟ وما المنهجية؟ ومن راجع النتائج؟ وهل دفع الفائز أو شركته مقابلًا ماديًا نظير الرعاية أو المشاركة أو استلام الجائزة؟

وهنا لا نتحدث عن مجرد لقب يُكتب على درع تذكاري وينتهي الأمر، وإنما عن معلومة يتم نشرها وتداولها إعلاميًا وتسويقيًا، وقد تتحول، مع كثرة النشر، إلى «حقيقة" في ذهن الجمهور؛ فتقول إنها "الأفضل في السلطنة" أو "الأفضل في قطاعها" ويقدم المسؤول نفسه باعتباره "أفضل رئيس تنفيذي" بعد أن صدق الحكاية، بينما قد لا يعرف الجمهور أن الجهة المانحة تجارية في حقيقتها، أو أن هناك رسومًا أو رعاية مالية مرتبطة بالمسابقة، ولكن تحت الطاولة.

المشكلة هنا ليست في أن تمنح جهة ما جائزة لشركة أو شخص، فهذا حق مشروع متى كان قائمًا على أسس واضحة، وإنما في أن يتحول التكريم التجاري إلى ادعاء بالتفوق، ثم يُقدَّم هذا الادعاء للجمهور وكأنه نتيجة تقييم موضوعي ومستقل. فالفرق كبير بين أن تقول جهة: "نحن نكرّم هذه الشركة أو الشخصية" وبين أن تقول: 'هذه أفضل شركة أو أفضل شخصية"؛ لأن العبارة الثانية تحمل دلالة تقييمية تستوجب أن يعرف الجمهور كيف وصلت الجهة إلى هذه النتيجة، ومن شملهم التقييم، وما المعايير التي استندت إليها.

من هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بطبيعة الجائزة أو الجهة التي تمنحها، وإنما أيضًا بالأساس الذي تستند إليه عندما تستخدم عبارات من قبيل "وفق استطلاع" أو "بحسب مسح" أو تقدم نتيجة على أنها تمثل رأي جمهور أو عينة من المجتمع. وفي هذا الجانب، يقدم قانون الإحصاء والمعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 55/2019 أساسًا مهمًا؛ إذ عرّف "المسح" بأنه جمع بيانات عينة من مجتمع معين لتقدير خصائص ذلك المجتمع في توقيت محدد، وعرّف "الاستطلاع" بأنه استقراء اتجاهات وآراء مجتمع ما تجاه موضوع معين في توقيت زمني محدد.

كما نصت المادة (20) على جواز ترخيص المركز الوطني للإحصاء والمعلومات للجهات الحكومية وغير الحكومية والأفراد لإجراء المسوحات والاستطلاعات وفق القانون والضوابط التي تحددها اللائحة.

ولا تقف المسألة عند هذا الجانب، بل تمتد إلى طريقة تقديم هذه النتائج للجمهور، وهو ما يجعل قانون الإعلام الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 58/2024 ذا صلة مباشرة بالموضوع؛ فالمادة (4) تحظر نشر أو بث أي إعلان يخالف الضوابط التي تضعها وزارة الإعلام أو يتنافى مع الآداب العامة أو يهدف إلى تضليل الجمهور. وهنا تصبح مسؤولية الوسيلة الإعلامية أو الجهة المنظمة أكبر عندما تقدم مادة تجارية في قالب يوحي بأنها تقييم مستقل ومحايد، في حين أنه مخالف للقانون.

ولذلك، فإنني أرى أن الأمر يستحق تنظيمًا أوضح وتنسيقًا بين المركز الوطني للإحصاء والمعلومات ووزارة الإعلام والجهات الأخرى ذات العلاقة، بحيث يكون هناك تمييز واضح بين الجوائز التجارية والتقييمات المهنية والمسوحات والاستطلاعات، وأن تُلزم الجهات التي تستخدم عبارات "وفق استطلاع" أو "بحسب مسح" أو "اختيار الأفضل" بالإفصاح عن المنهجية والجهة التي أجرت الدراسة والترخيص، متى كان النشاط داخل نطاق قانون الإحصاء والمعلومات، فضلًا عن الإفصاح الواضح عن أي رسوم أو رعاية أو علاقة مالية مرتبطة بالجائزة.

كما أن قانون الإعلام يوفر أساسًا مهمًا للتعامل مع الجانب الإعلاني؛ إذ يحظر الإعلان الهادف إلى تضليل الجمهور، وهو ما يجعل الشفافية في عرض الجوائز والتصنيفات التجارية مسألة تتجاوز الأخلاق المهنية إلى الالتزام بالتشريعات المنظمة للإعلام.

إننا بحاجة إلى حماية السوق والمؤسسات والمسؤولين أنفسهم من تجارة الألقاب غير المشروعة، وليس إلى إغلاق باب التكريم؛ فالجائزة الحقيقية ترفع قيمتها صعوبة الحصول عليها، واستقلالية من يمنحها، ووضوح معاييرها، لا المبلغ الذي يستطيع الفائز دفعه!

بالطبع، لا يعني ذلك التشكيك في جميع الجوائز والتصنيفات؛ فهناك منظمات ومؤسسات دولية مرموقة تعمل منذ سنوات على تقييم وتصنيف الشركات والمؤسسات والقطاعات وفق منهجيات واضحة ومعلنة، وخاضعة لمتطلبات القانون، ومؤشرات قابلة للقياس والتحقق، وتحدد بدقة نطاق التقييم والفترة الزمنية ومصادر البيانات وأسس المقارنة.

نأمل أن تحظى هذه الممارسات باهتمام الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الإعلام والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، كلٌّ في نطاق اختصاصه، للنظر في وضع ضوابط أكثر وضوحًا للجوائز والتصنيفات والاستطلاعات التي تُنشر وتُروَّج للجمهور، وإلزام الجهات المنظمة بالإفصاح عن منهجية الاختيار ومعاييرها، وأي علاقة مالية أو رعاية مرتبطة بالجائزة.

فتنظيم هذا الجانب لا يستهدف الجوائز المهنية المعتبرة، وإنما يحمي صدقيتها أولًا، ويحمي المؤسسات والمسؤولين والجمهور من الخلط بين التقييم المستقل والتكريم التجاري، ويضع حدًا لتحويل الألقاب والمسميات إلى سلعة يحصل عليها من يدفع أكثر.