x

عباس الزدجالي يكتب : لا تستعرضوا عضلاتكم على ظهور سلاحفنا

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٨/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٨:٣٩ م
عباس الزدجالي يكتب : لا تستعرضوا عضلاتكم على ظهور سلاحفنا
عباس الزدجالي

بقلم : عباس الزدجالي

في عالم اليوم الرقمي، أصبح خيط رفيع جداً يفصل بين القمة الـمُبهرة والقاع السحيق؛ خيط قد يقطعه مقطع فيديو مدته ثوانٍ معدودة، يُصنع تحت تأثير نشوة "البحث عن التفاعل وصناعة المحتوى". هذا تماماً ما اختبره صانع المحتوى الرياضي الأوكراني، فاديم أولينيك، الذي وجد نفسه فجأة في عين عاصفة هوجاء من الغضب والمقاطعة، بعد أن حوّل رحلته السياحية إلى شواطئ السلطنة المحمية إلى مشهد عشوائي عبث فيه بالحياة الفطرية، ليرتد السحر على الساحر، ويقع البطل العالمي في شر أعماله.

تبدأ القصة من عتمة الليل على رمال نيابة "رأس الحد" العُمانية، حيث تقطع السلاحف البحرية الخضراء المهددة بالانقراض رحلة شاقة ومقدسة تضرب في عمق التاريخ لتضع بيوضها وتؤمن استمرار نوعها. في تلك اللحظة الفطرية المهيبة، لم يرَ أولينيك ورفيقته في هذا الكائن الأسطوري سوى مجرد “مادة تصوير" وتسلية صالحة لجلب المشاهدات وزيادة أرقام المتابعين.

وبسلوك يفتقر لأدنى درجات المسؤولية، ظهر بطل العالم ثلاث مرات في رياضة "الكاليسثينيكس" وهو يحاول ركوب ظهر سلحفاة خضراء ضخمة عائدة من “مخاض الحب” بعد أن وضعت بيضها في عش حفرته وغطتة بمشقة شديدة أعلى الشاطىء، تلتها لقطات أخرى يبتسم فيها ممسكاً بسلحفاة حديثة الولادة تحت وهج الإضاءة الاصطناعية للنقال، ضارباً بعرض الحائط كل القوانين البيئية والأعراف الإنسانية التي تحظر ترويع هذه المخلوقات.

لكن حسابات "الخوارزميات" لم تطابق حسابات الواقع؛ فبمجرد انتشار الفيديو، انفجر بركان من الغضب العارم الذي تجاوز الحدود الجغرافية. وبدلاً من الإعجابات التي كان ينتظرها، تدفقت آلاف التعليقات التي تدين هذا الفعل وتصفه بالوحشية والاستهتار. وتحت وطأة هذا الهجوم الشرس، وجد المؤثر الأوكراني نفسه مجبراً على اتخاذ خطوات دفاعية بائسة؛ فحذف المقاطع، وأغلق ميزة التعليقات، وأصدر اعتذاراً باهتاً زعم فيه أنه "كان يحاول مساعدة السلحفاة وتوثيق الطبيعة"، وهو تبرير واجهته الجماهير بسخرية لاذعة واعتبرته محاولة متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعته المنهارة.

ولعل الطعنة الأشد مرارة في جسد مسيرة أولينيك المهنية جاءت من وطنه الأم؛ إذ قاد الجمهور والشارع الرياضي الأوكراني حملة الإدانة الكبرى. عبّر الأوكرانيون عن صدمتهم العميقة وخيبة أملهم من شخص يمثل بلادهم في المحافل الرياضية الدولية وحاصل على أرقام قياسية، لكنه تحول في لحظة طيش إلى نموذج مسيء يُلطخ سمعة الرياضة الأوكرانية في دولة مستضيفة وصديقة كعُمان.

وتجسدت "ثقافة الإلغاء" (Cancel Culture) هنا بأبهى صورها الواعية؛ فلم تكتفِ الجماهير بإلغاء المتابعة، بل انطلقت حملات منظمة لمراسلة الشركات الرياضية والعلامات التجارية العالمية التي ترعى أولينيك وتوفر له الدعم المالي، مطالبين بإنهاء عقوده فوراً، انطلاقاً من مبدأ أخلاقي راسخ بأن الشهرة والقوة العضلية لا تمنح أحداً الحق في استعباد الطبيعة أو ترويع كائناتها.

وعلى الجانب الرسمي، جاء الحسم العُماني ليقطع دابر أي تأويل أو تهاون؛ حيث أصدرت هيئة البيئة العُمانية بياناً صارماً أعلنت فيه بوضوح أنها "اتخذت الإجراءات القانونية اللازمة بحق السائح الأجنبي بالتنسيق مع الجهات المختصة"، مؤكدة أن السيادة البيئية للسلطنة خط أحمر، وأن شواطئها ومحمياتها الطبيعية ليست مسرحاً للمغامرات الصبيانية أو الاستعراض الافتراضي.

غير أن الأبعاد الحقيقية لهذه الحادثة تتجاوز منطق العقوبة القانونية الصرفة للمخالف الأجنبي، لتفتح الباب على مصراعيه أمام نقاش أعمق حول المسؤولية الأخلاقية الجماعية تجاه البيئة ومفرداتها. إن هذا المشهد يجب ألا يُقرأ كعثرة عابرة لسائح غريب فحسب، بل ينبغي أن يكون درساً بليغاً ومواجهة للذات، وتحديداً للداخل العُماني؛ فالمسؤولية الأخلاقية تجاه الأرض ومفرداتها الطبيعية لا تسقط بالهوية أو المواطنة. إن ترويع سلحفاة، أو تدمير شعاب مرجانية، أو تلويث الأودية، أو الاحتفاء اللامسؤول بالمظاهر الطبيعية على حساب سلامتها، هي ممارسات تطل برأسها أحياناً محلياً تحت ذريعة الاستمتاع أو التوثيق السياحي العفوي.

الأرض العُمانية بمكوناتها الفطرية الفريدة من محميات السلاحف إلى الحياة البرية في جبال ظفار والصحاري ليست ملكاً لجيل يعبث بها، ولا هي خلفيات تصوير تُستغل لجني التفاعل الافتراضي مؤقتاً ثم تُترك مشوهة. إن المواطنة الحقيقية تتجلى في "الأمانة البيئية" وفي استشعار أن كل مفردة فطرية هي إرث وطني وتاريخي تجب حمايته وتوريثه بأمانة؛ والعبث بها من ابن الأرض هو خطيئة أشد وطأة من عبث السائح الجاهل بأنظمتها.

إن مغادرة أولينيك الأراضي العُمانية إن كانت قد تمت قبل توقيفه لن تمنحه صك النجاة؛ فقد حوّله هذا الفعل رسمياً إلى مطلوب قضائي مُدرج على قوائم ترقب الوصول بالمنافذ، وحكم على نفسه بنفي دائم من المنطقة. لقد وقع هذا البطل في شر أعماله، ودفع ثمن هوس الشهرة عزلةً رقمية، وخسارةً تجارية، وملاحقة قضائية أخلاقية ستظل تلاحق اسمه في الفضاء الرقمي لسنوات قادمة، لتظل قصته تذكيراً صارخاً لكل عابر أو مقيم أو مواطن: أن أعداد المتابعين لا ترفع أحداً فوق سلطة القانون، وأن كرامة الطبيعة ومفرداتها الفطرية هي التي تمنح المكان قيمته، وبدونها تصبح الشهرة مجرد تشويه فارغ.