
بقلم : علي بن راشد المطاعني
في أي انتخابات تظهر ما تُسمى بـ "حُمّى الانتخابات" وهي حُمّى حميدة في مطلق الأحوال، يستعر لهيبها كلما اقترب موعدها. وانتخابات غرفة تجارة وصناعة عُمان التي على الأبواب تندرج تحت هذا الوطيس، باعتبارها، أي الغرفة، واحدة من أقدم مؤسسات المجتمع المدني في البلاد؛ كيف لا وقد أُجريت أول انتخابات لتشكيل مجلس إدارتها (1975 ـ 1981) برئاسة الحاج علي بن سلطان فاضل، بعيد تأسيسها في 15 مايو 1973.
وهذا الحراك الحميد مشروع بطبيعة الحال، بل يُعد ظاهرة إيجابية تعكس اهتمام مجتمع الأعمال باختيار من يمثله، ويدافع عن مصالحه، ويسهم في تطوير بيئة الأعمال بالبلاد.
لكن أن تصل المنافسة، التي يُفترض فيها أن تكون شريفة ونظيفة، إلى منحدر الإساءة للعمل المؤسسي الأقدم على الإطلاق، أو التشكيك في القائمين عليه، أو النيل من سمعة الغرفة وقياداتها وموظفيها، فهذا أمر غير مقبول، خصوصًا أنّ المتنافسين ينتمون إلى فئة رجال الأعمال، وهم الذين يُشار إليهم بالبنان من قبل المجتمع، ويُفترض فيهم أن يكونوا قدوة في احترام الأنظمة وقواعد المنافسة الشريفة وأخلاقياتها الراسخة.
والغرفة، بالتالي، ليست ساحة لتصفية أي حسابات، ومن أي نوع، أو لتبادل الاتهامات، وإنما هي مؤسسة اقتصادية وطنية لها مكانتها العالية في منظومة اقتصادنا الوطني. وينبغي أن تبقى صورتها الزاهية ومكانتها العالية فوق المصالح الانتخابية الضيقة، الأمر الذي يتطلب أن نرتقي في التعاطي مع هذا الجانب، بما يعزز تجارب المشاركة الانتخابية في البلاد ويطورها للأفضل، وليس العكس بأي حال من الأحوال، كإرهاص مكروه بعودتنا عقودًا إلى الوراء من خلال ممارسات خاطئة، ومؤسفة؛ إزاء التعاطي غير المسؤول مع مؤسسات المجتمع المدني.
في البداية، يجب علينا جميعًا أن نؤمن بأنّ أي انتخابات في مؤسسات المجتمع المدني، على اختلافها، سواء مجلس الشورى والجمعيات المهنية والتطوعية والأندية والنقابات العمالية وغيرها، هي تجارب نرعاها ونحافظ عليها لكي تتطور مع مرور الأيام وتوالي السنين، كجزء من التطور الذي تشهده البلاد في كافة المجالات. وحرصنا المفترض حيالها يتأتى من خلال الممارسات الإيجابية، ومن بينها عدم الإساءة إليها، وكذلك من خلال رعايتها بالحنو كله من جانبنا كناخبين، هي وغرفة تجارة وصناعة عُمان.
لا شك أنّ تاريخ غرفة تجارة وصناعة عُمان، منذ تأسيسها، يمثل تجربة وطنية رائدة في إشراك القطاع الخاص في إدارة شؤونه واختيار ممثليه، وقد تطورت هذه التجربة عبر مراحل متعددة، وصولًا إلى النظام الحالي الذي وسّع المشاركة، وعزّز حضور المحافظات والشركات المساهمة العامة والمستثمرين لتمثيل القطاع الخاص بكل قطاعاته، ولإرضاء كل الفئات المنضوية تحت مظلة القطاع الخاص للمشاركة في صنع القرار بشكل إيجابي.
وبالتالي، فإنّ السجال حول الانتخابات لا يجب أن يخرج عن إطاره المحدد أخلاقيًا وأدبيًا وقانونيًا، وألا ينجرف تقييم أداء الغرفة إلى ذلك الدرك السحيق؛ فهذا شيء، والانتخابات وأهدافها وغاياتها ومراميها شيء آخر تمامًا، وبذلك لا ينبغي خلط الأوراق في هذا الشأن.
لقد وضع المرسوم السلطاني رقم (56/2022) بإصدار نظام غرفة تجارة وصناعة عُمان إطارًا واضحًا للعملية الانتخابية؛ فنصت المادة (33) على إجراء انتخابات مجلس الإدارة ومجالس إدارات الفروع خلال تسعين يومًا قبل نهاية مدة صلاحية المجلس، تحت إشراف "لجنة انتخابات الغرفة" التي شرعت بالفعل في تجهيز الأطر والمنصات التي تكفل إجراء التصويت إلكترونيًا، وصولًا إلى قمة درجات النزاهة.
كما بحثت متطلبات تهيئة منظومة انتخابية متكاملة تكفل تنفيذ الانتخابات وفق الأطر القانونية والتنظيمية، واستعرضت كذلك الإطار الزمني لمراحل العملية الانتخابية وما يرتبط بها من إجراءات ومواعيد، كما اعتبرت الانتخاب حقًا شخصيًا للعضو المسجل لا تجوز فيه الإنابة أو التوكيل.
وحددت المادة ذاتها الأوزان التصويتية؛ إذ يكون للعضو من الفئة الممتازة خمسة أصوات، وللفئة الأولى أربعة، وللفئة الثانية ثلاثة، وللفئة الثالثة صوتان، وللفئة الرابعة صوت واحد.
هذه الأحكام تعكس أن الانتخابات عملية مؤسسية محكومة بالنزاهة والشفافية والمساءلة، ولذلك ينبغي أن تتجه الحملات الانتخابية إلى تقديم برامج واضحة.
أما الاكتفاء بالشعارات، أو التشكيك في الآخرين، أو محاولة هدم ما تحقق، فلن يصنع مجلسًا قويًا، ولن يخدم الغرفة ولا منتسبيها. فالتنافس الحقيقي يكمن فيمن يقدم مشروعًا قابلًا للتنفيذ، ويملك خبرة عملية، وحضورًا فاعلًا، ويؤمن بحتمية وفاعلية العمل الجماعي، ويستطيع تحويل مطالب مجتمع الأعمال إلى مبادرات ودراسات ومقترحات مؤثرة وقابلة للتطبيق على الأرض.
ومن وجهة نظري، فإن نجاح انتخابات الغرفة لا يقاس فقط بعدد المشاركين أو حدة المنافسة، وإنما بمستوى ونظافة الخطاب الانتخابي، ونوعية البرامج، واحترام المتنافسين بعضهم بعضًا، والاحتكام إلى النظام ولجان الانتخابات والطعون عند الاختلاف.
فالغرفة أكبر من أي مرشح، وسمعتها مسؤولية مشتركة، والانتخابات ليست حربًا، بل منافسة لخدمة القطاع الخاص والاقتصاد الوطني بالطبع.