
بقلم : محمد محمود عثمان
الموقف الإيراني - الأمريكي يمتزج فيه التصعيد العسكري بالدبلوماسية غير المباشرة خلف الكواليس، والوصول إلى حافة الهاوية في المفاوضات المعلنة أو السرية التي يكتنفها الغموض، بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في إسلام آباد، الذي أُبرم مؤقتًا لإنهاء الحرب الشاملة المندلعة منذ فبراير 2026.
والغريب أنه برغم لغة الوعيد العسكري الصاخبة، تشير قنوات الاتصال المفتوحة في نيويورك والضغوط الاقتصادية المتبادلة إلى أن الطرفين يبحثان عن «اتفاق تدريجي يحفظ ماء الوجه»، حيث تسعى إيران لرفع الحصار، ويحتاج ترامب لتأمين تدفق النفط وضبط الأسواق قبل الاستحقاقات السياسية الداخلية، وليعلن كل طرف انتصاره من وجهة نظره.
بعد أن تحول الموقف في الميدان إلى فرض إيران حصارًا جزئيًا وهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز لتأكيد سيادتها عليه وتحصيل رسوم عبور، وتزامن ذلك مع إغلاق جماعة الحوثيين المدعومة إيرانيًا لمضيق باب المندب، مما أدى إلى شلل حركي كبير في صادرات الطاقة العالمية. وفي المقابل، كان الرد بالحصار الأمريكي المضاد بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بفرض حصار بحري صارم على الموانئ الإيرانية، إلى جانب حملة عقوبات قصوى شلت الاقتصاد الإيراني ورفعت أسعار النفط عالميًا، ثم الحصار على الطائرات الإيرانية في مطارات العالم.
وهنا نجد إشكالية المعادلة الميدانية، حيث تعاني واشنطن من مأزق عدم القدرة على إجبار طهران على الاستسلام الكامل، رغم تفوقها الجوي والبحري. وفي المقابل، لا تستطيع إيران كسر الحصار الأمريكي، لكنها تمتلك قدرة الردع «غير المتناظر» عبر استهداف القواعد الأمريكية الإقليمية والبنية التحتية للطاقة، الذي يواكبه تصريحات ترامب بأن أمامه ثلاثة خيارات بين اتفاق دبلوماسي، أو تشديد الضغط الاقتصادي، أو عمل عسكري ساحق. ومع ذلك، ورغم هذه التهديدات، أرسلت واشنطن مبعوثين هما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لإجراء محادثات غير مباشرة عبر وسطاء قطريين وباكستانيين.
وفي الوقت ذاته، يبدي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مرونة دبلوماسية مشروطة، مدعومة بضوء أخضر من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. وتطالب طهران بإنهاء الحرب على كافة الجبهات، بما يشمل حزب الله في لبنان، وكسر الحصار البحري، والإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع العقوبات، واستعادة الأرصدة، مقابل إعادة فتح استباقي لمضيق هرمز خلال 7 أيام.
مع بروز وساطة دولية قوية يقودها الرئيس الصيني «شي جين بينغ» خلال قمته الأخيرة في البيت الأبيض، حيث حث واشنطن وطهران على العودة الفورية إلى طاولة الحوار لتجنب انهيار أسواق الطاقة العالمية.
بذلك تبدو الصورة أكثر قتامة وغير واضحة المعالم، ومن ثم تتأرجح التحليلات والسيناريوهات المحتملة بين التوصل إلى تسوية قسرية مؤقتة بدافع من ضغط الاقتصاد العالمي، وارتفاع أسعار الوقود، واقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر القادم، وقد تؤدي إلى اتفاق مرحلي جديد يتضمن فتح مضيق هرمز مقابل رفع العقوبات.
وإذا فشل هذا السيناريو، فمن المتوقع بدء حرب استنزاف طويلة المدى إذا تمسك كل طرف بشروطه القصوى دون الرغبة في التراجع أو الدخول في حرب شاملة، واستمرار الضربات المحدودة وحرب المُسيّرات والحصار الاقتصادي الخانق، ثم السيناريو الأخطر، وهو المواجهة العسكرية المفتوحة وإقدام الولايات المتحدة على توجيه ضربات استباقية واسعة النطاق لمواقع استراتيجية إيرانية لإجبارها على التنازل، وتوسيع رقعة الحرب للمحيط الهندي واستهداف منشآت الطاقة الإقليمية.
وفي إطار هذا المشهد، تتوخى الدول العربية الحذر وتتخذ مواقف متباينة تجاه المواجهة القائمة بين إيران وأمريكا، حيث يسعى كل جانب إلى حماية مصالحه الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، وأهمها تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. وبعضها يلعب دور الوسيط الحيوي، مثل سلطنة عمان وقطر، حيث تركز الوساطة القطرية العمانية على صياغة «اتفاق تدريجي» يشمل تهدئة بحرية واقتصادية متبادلة، من خلال تقريب وجهات النظر.
لذلك، دول الخليج العربي تعيش حالة من القلق والاستنفار مع تصاعد التهديدات الإيرانية للمنطقة واستهداف الحوثيين لعمق الأراضي السعودية بالصواريخ الباليستية.
والتصريحات غير المسبوقة للمستشار العسكري للمرشد الإيراني - الغائب عن المشهد - بأن إيران سوف تواصل دائمًا سيطرتها على مضيق هرمز وإدارته، والإشارة إلى أن التوصل مع سلطنة عمان إلى آلية لتنظيم حركة المرور والملاحة وفق قواعد القانون الدولي لا يعني عودة الملاحة بالمضيق، وأن التفاهمات الفنية مع مسقط لا تعني بأي حال من الأحوال إعادة فتح المضيق. وحذر من أن الصراع مع واشنطن قد يتسع للمحيط الهندي وربما أبعد منه، خاصة أن المراحل القادمة من التصعيد قد تتجاوز النطاق الإقليمي المباشر للشرق الأوسط، بعد أن امتدت العمليات العسكرية من مضيق هرمز والخليج وصولًا إلى البحر الأحمر.
وفي هذا المشهد الدرامي، لا يكفي إجماع المجتمع الدولي والعربي على خطورة استمرار انسداد الممرات البحرية (هرمز وباب المندب) وتأثير الحصار الأمريكي المضاد. وبينما تدفع روسيا والصين لرفع العقوبات عن إيران، وتضغط أوروبا لدعم الموقف الأمريكي عسكريًا، ليظل الموقف العربي الخليجي متمسكًا بضرورة حماية أمنه واستقراره عبر كل الوساطات الدبلوماسية كطريق وحيد لمنع تحول المواجهة الصامتة إلى حرب إقليمية مدمرة، في ظل الصمت الدولي إزاء مضيق هرمز والانكفاء وترك الساحة لواشنطن وطهران، حيث تفرض موازين القوى والأسباب الجيوسياسية والعسكرية على القوى العالمية البقاء في الخلفية، مستعيضة عن التدخل العسكري المباشر بالضغوط الدبلوماسية الظاهرة حينًا ومن خلف الكواليس أحيانًا.