x

"الإعلام راوي حكايات... والباقي AI.." هل بدأ العصر الذهبي للإعلام العربي؟

تكنولوجيا الأربعاء ٢٣/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٦:٣٨ م
"الإعلام راوي حكايات... والباقي AI.." هل بدأ العصر الذهبي للإعلام العربي؟
بدر زاهر الكيومي

بقلم : بدر زاهر الكيومي

وأنا أتنقل بين جلسات قمة الإعلام العربي في دبي، من قاعة تتحدث عن الذكاء الاصطناعي إلى أخرى تناقش مستقبل المحتوى، وبين وجوه شابة تبحث عن فرصتها في صناعة لم تعد تعرف حدودا واضحة، كان سؤال واحد يرافقني وسط هذا الزخم:

هل بدأ العصر الذهبي للإعلام العربي؟

لم يأت السؤال من منصة أو متحدث، بل ولد من زحام المشهد كله، وحين خرجت من إحدى الجلسات وفتحت هاتفي، بدا أن جزءا من الإجابة كان هناك، أمامي. تأملت أسماء الشركات التي أصبحت ترسم جزءا من تفاصيل يومنا: جوجل، وميتا، وتيك توك، ونتفليكس. قد نختلف في تصنيفها؛ فهذه شركة تقنية، وتلك منصة اجتماعية، وثالثة للترفيه، لكن خيطا واحدا يمر بينها جميعا: المحتوى الإعلامي.

لم تعد شركات الإعلام وحدها من تصنع الإعلام؛ فجزء كبير مما نقرأه ونشاهده اليوم تصنعه شركات لا تحمل كلمة "إعلام" في أسمائها. وكأن الإعلام غادر حدوده القديمة، ليصبح شريانا في قلب الاقتصاد الرقمي العالمي.

ومهما اختلفت مجالاتها، فإنها تلتقي عند سباق واحد: الفوز بواحدة من أثمن سلع هذا العصر، انتباه الإنسان.

وهذا الانتباه لم يعد مجرد لحظة عابرة، بل أصبح اقتصادا قائما بذاته. فقد تجاوز الإنفاق الإعلاني العالمي تريليون دولار في 2025، ويتجه، وفق PwC، إلى نحو 1.4 تريليون دولار بحلول 2030. وخلف ثوان قليلة نقضيها أمام منشور أو مقطع فيديو، تتحرك مليارات الدولارات.

وحول هذا الاقتصاد تولد شركات جديدة، ومعها وظائف ومهن لم نكن نعرف حتى أسماءها قبل سنوات. فالمال، كما يحدث دائما، له حاسة شم قوية تجاه المستقبل، ويبدو أنه التقط رائحة هذا التحول مبكرا؛ إذ تتجه صناعة الإعلام والترفيه العالمية، وفق PwC، إلى إيرادات تبلغ نحو 4.2 تريليون دولار بحلول عام 2030.

لكن رقما آخر استوقفني في دبي. ففي تقرير "الإعلام العربي في عصر الذكاء الاصطناعي"، الذي أطلقه نادي دبي للصحافة بالتعاون مع Deloitte، يقدر الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 520 مليون دولار في 2026، تستحوذ الإمارات والسعودية وقطر مجتمعة على 51 في المئة منه.

والأرقام، أحيانا، تحكي قبل الكلمات. فمنطقتنا لم تعد تقف على هامش ثورة الذكاء الاصطناعي تراقبها من بعيد، بل بدأت تستثمر فيها، وتحجز لنفسها مكانا في قلب التحول.

وهذا المشهد كما وصفه بعض المتحدثين يعيدنا إلى ما قبل عقد ونصف، حين كانت الولايات المتحدة تعيش مخاضًا رقميا غير وجه الإعلام: شركات صغيرة تكبر، ومنصات جديدة تغير عادات الجمهور، والإعلان يهاجر إلى الإنترنت، وشباب يدخلون مهنًا لم تكن موجودة قبلهم. ثم أصبحت تلك المنصات جزءا من يومنا.

لكن التاريخ، حين يعود، لا يرتدي الثوب نفسه.

اليوم لم تعد أدوات صناعة الإعلام حكرا على نيويورك أو لندن أو وادي السيليكون، شاب يجلس في مسقط أو الرياض أو دبي أو القاهرة، يستطيع من هاتفه أن يفعل ما كان يحتاج قبل سنوات إلى فريق كامل، وأن يحمل محتواه إلى الطرف الآخر من العالم.

فإذا أصبحت الأدوات في متناول الجميع، فما الذي يمنع حكاية تبدأ من مدننا من أن تصل إلى العالم؟ هنا تبدأ الفرصة العربية الحقيقية: ألا نكتفي باستخدام أدوات الآخرين، بل أن نصنع بها ما يشبهنا، وأن ندخل الاقتصاد الإعلامي الجديد منتجين لا مستهلكين فقط.

فالاستثمار والتقنية والجمهور موجودة، وهناك جيل شديد الشغف بالمحتوى، وحكومات ومؤسسات وصناع قرار ينظرون بصورة متزايدة إلى الذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية باعتبارهما جزءًا من اقتصاد المستقبل.

وفوق ذلك كله، لدينا حكايات عربية كثيرة لم ترو للعالم بعد. لكن هل تعني سهولة صناعة المحتوى أن الإعلام سيصبح أفضل؟ الإجابة: ليس بالضرورة.

فقد يكون الوجه الآخر لهذه الوفرة عصرا من الضجيج: محتوى أكثر، وصور أكثر، ونسخ تتشابه حتى يصعب تمييز إحداها عن الأخر. وفي عالم يستطيع فيه الجميع صناعة المحتوى، من الذي سيستحق انتباهنا وثقتنا؟ ربما هنا تبدأ المنافسة الحقيقية.

وإذا أصبح الذكاء الاصطناعي يكتب ويترجم ويحلل ويصمم وينتج الصوت والصورة والفيديو، فماذا يبقى للإنسان؟ ربما يبقي لهُ أهم شيء: الحكاية.

فالآلة تستطيع أن تمنحنا ألف معلومة، لكنها لا تعرف دائما أيها يستحق أن يتحول إلى حكاية، وأيها سيجعل إنسانا يتوقف ويفكر. وتستطيع أن تصنع صورة مدهشة، لكن الدهشة وحدها لا تصنع معنى. ولهذا أستذكر عبارة علقت في ذهني قالها أحد المتحدثين عندما أختصر مستقبل المهنة في عبارة: "الإعلام راوي حكايات... والباقي.. AI"

فكلما أصبحت صناعة المحتوى أسهل، أصبحت القصة الجيدة أكثر ندرة وأعلى قيمة. وفي زمن يمتلئ بالمحتوى، ستكون الندرة الحقيقية في المعنى والأصالة والثقة.

فالعصر الذهبي للإعلام لا يبدأ حين ننتج أكثر، ولا حين نمتلك أحدث التقنيات، بل حين تتحول التقنية والاستثمار والموهبة إلى صناعة قادرة على حمل حكاياتنا إلى العالم.

وهنا أعود إلى السؤال الذي رافقني منذ البداية:

هل بدأ العصر الذهبي للإعلام العربي؟ ربما نحن في فصوله الأولى، لكن الحكاية بدأت تتشكل أمامنا.

فهل سنكتفي باستخدام أدوات ومنصات يصنعها الآخرون، أم سنصنع نحن جزءا من مستقبل الإعلام؟ ويبقى السؤال الأصعب:

حين يصبح بإمكان الجميع صناعة المحتوى، من سيصنع الحكاية التي تستحق أن يتوقف عندها العالم؟

فالمنصات ستتغير، والخوارزميات ستتغير، والذكاء الاصطناعي سيزداد ذكاء...

أما الحكاية، فستبقى دائما تبحث عن راو جيد