x

الدكتور صادق بن حسن اللواتي يكتب للشبيبة: من تحرير فلسطين إلى استقلال أوكرانيا... مسارات أفول الهيمنة الغربية

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٢/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٤:١٤ م
الدكتور صادق بن حسن اللواتي يكتب للشبيبة: من تحرير فلسطين إلى استقلال أوكرانيا... مسارات أفول الهيمنة الغربية
الدكتور صادق بن حسن اللواتي

بقلم : الدكتور صادق بن حسن اللواتي

 

تقوم الأطروحة الأساسية لهذا المقال على أن فلسطين وأوكرانيا تمثلان جبهتين مختلفتين في الجغرافيا والتاريخ، لكنهما تلتقيان في كشف التحولات العميقة التي أصابت النظام الدولي القائم على الهيمنة الغربية منذ نهاية الحرب الباردة. فقد تحولت فلسطين إلى اختبار للشرعية السياسية والأخلاقية لهذا النظام، بينما أصبحت أوكرانيا اختبارًا لحدود قدرته العسكرية والاقتصادية على فرض إرادته وتحقيق أهدافه الاستراتيجية. وبين الجبهتين تتفاعل عوامل إقليمية ودولية أخرى، في مقدمتها صعود الصين وروسيا وإيران، وتنامي استقلالية دول الجنوب العالمي، وبروز محور المقاومة بوصفه عاملًا إقليميًا مساعدًا في إعادة توزيع القوة داخل الشرق الأوسط. ومن ثم، لا يتعلق الأمر بسقوط مفاجئ للغرب، وإنما بتآكل تدريجي لقدرته على احتكار صناعة القرار الدولي، والانتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام تتعدد فيه مراكز القوة والتأثير. 

 

وتكتسب فلسطين أهمية استثنائية لأنها لم تعد قضية محلية أو إقليمية محدودة، بل أصبحت اختبارًا لمصداقية النظام الدولي وقواعده المعلنة. فقد كشفت الحرب على غزة فجوة متزايدة بين الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والقانون الدولي ، وبين المواقف السياسية تجاه القضية الفلسطينية، الأمر الذي انعكس على صورة الغرب وشرعيته لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وامتد إلى المجتمعات الغربية نفسها. فالهيمنة الحديثة لا تقوم على السلاح والاقتصاد فقط، وإنما تحتاج إلى القدرة على إنتاج الرواية وإقناع الآخرين بشرعية النظام الذي تقوده. وعندما تتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسة السياسية، تبدأ القوة الناعمة بالتآكل، حتى وإن بقي التفوق العسكري والاقتصادي قائمًا..

 

وقد أسهمت الثورة الرقمية في تعميق هذا التحول؛ إذ لم يعد المواطن يعتمد بصورة كاملة على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح قادرًا على مشاهدة الوقائع ومقارنة الروايات والوصول إلى مصادر متعددة. ولهذا تحولت فلسطين إلى قضية حاضرة في الجامعات والحركات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني، وأصبحت معركة الوعي جزءًا من الصراع السياسي نفسه. ولم يعد السؤال مقتصرًا على من يمتلك القوة، بل أصبح أيضًا: من يمتلك القدرة على إقناع العالم بعدالة موقفه؟ ومن هذه الزاوية يكتسب فكر الإمام الخميني أهمية خاصة؛ فقد أخرج القضية الفلسطينية من إطارها الجغرافي وربطها بمقاومة الهيمنة والاستكبار ورفض التبعية.

 

ففلسطين في هذا التصور، ليست مجرد أرض محتلة، وإنما رمز لإرادة الشعوب في استعادة استقلالها وحقها في تقرير مصيرها، ولذلك اكتسبت القدس أبعادًا سياسية وإنسانية وحضارية تتجاوز حدود القضية الفلسطينية. وقد تطور هذا التصور في فكر الإمام الخامنئي، الذي ينظر إلى فلسطين بوصفها عنصرًا محوريًا في إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط؛ لأن استمرار الاحتلال لا يرتبط بالتفوق العسكري الإسرائيلي وحده، بل بشبكة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية التي مكّنت القوى الغربية تاريخيًا من ممارسة نفوذ واسع في المنطقة. ومن ثم فإن تغيير المعادلة الفلسطينية يمكن أن يؤدي إلى تغيير المعادلة الإقليمية.

 

وفي هذا السياق يبرز محور المقاومة بوصفه عاملًا إقليميًا مساعدًا في كسر احتكار القوة الغربية في الشرق الأوسط. فقد أدى ظهور قوى قادرة على تحدي التفوق العسكري الإسرائيلي والنفوذ الأمريكي إلى جعل البيئة الاستراتيجية للمنطقة أكثر تعقيدًا، وتقليص قدرة القوى الخارجية على إدارة الإقليم وفق ترتيبات أحادية. ولا يعني ذلك أن محور المقاومة وحده يفسر التحولات الدولية، وإنما يمثل متغيرًا إقليميًا ضمن عملية أوسع لإعادة توزيع القوة، تتفاعل معها الصين وروسيا وإيران ودول الجنوب العالمي. وبذلك أصبح الشرق الأوسط نفسه جزءًا من عملية التحول في النظام العالمي، لا مجرد منطقة تتأثر بها.

 

أما أوكرانيا، فإنها تمثل الوجه الآخر للأزمة؛ فإذا كانت فلسطين قد وضعت الشرعية الغربية تحت الاختبار، فإن أوكرانيا وضعت قدرة الغرب على استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية وتحويلها إلى نتائج سياسية تحت الاختبار. فقد أصبحت الحرب ساحة لاختبار مستقبل الأمن الأوروبي وموازين القوة بين روسيا والغرب، وأعادت ترتيب العلاقات الدولية، خصوصًا بين روسيا والصين وإيران، كما دفعت أوروبا إلى إعادة التفكير في الطاقة والدفاع والأمن والاستقلال الاستراتيجي. وأظهرت أن العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية، مهما بلغت قوتها، لا تضمن بالضرورة إخضاع قوة كبرى تمتلك موارد استراتيجية وبدائل متعددة.

 

وهنا تكمن أهمية المقارنة بين فلسطين وأوكرانيا. فالقضيتان ليستا متطابقتين، ولكل منهما تاريخها وخصوصيتها القانونية والسياسية، لكنهما تكشفان جانبين مختلفين من أزمة النظام الغربي. ففي فلسطين يظهر التناقض بين الخطاب والممارسة وتتآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية، بينما في أوكرانيا تظهر حدود القدرة على تحويل التفوق الاقتصادي والعسكري إلى تسوية سياسية حاسمة. وإذا كانت فلسطين تكشف أزمة الشرعية، فإن أوكرانيا تكشف أزمة القدرة على فرض النتائج وبين الشرعية والقدرة يتشكل أحد أبرز مظاهر التحول في النظام الدولي المعاصر.

 

ومن هنا يمكن طرح أطروحة مستقبلية مفادها أن تحرير فلسطين وإقامة منظومة سياسية فلسطينية مستقلة سيشكلان نقطة تحول في بنية الشرق الأوسط، إذا تجاوز مفهوم التحرير مجرد استعادة الأرض إلى تأسيس نظام سياسي يتمتع بالسيادة، ويمتلك قراره الوطني، ويدير علاقاته الدولية على أساس الندية والاستقلال. ووفقًا للمعطيات الميدانية، فإن تحقق هذا المسار ليس مستحيلاً الآن، و تأثيره لن يظل محصورًا داخل الحدود الفلسطينية، بل سيمتد إلى الإقليم بأكمله، وسيسهم في إعادة تشكيل العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية، ويفتح أمام دول المنطقة مجالًا أوسع لتعزيز استقلالها في صناعة القرار. 

 

وفي هذا الإطار يمكن فهم مفهوم «تحرير أوكرانيا» بمعناه السياسي الأوسع؛ أي تحرير القرار الوطني من منطق الصراع بالوكالة، وليس مجرد انتقال أوكرانيا من نفوذ قوة إلى نفوذ قوة أخرى. فكلما أصبح النظام الدولي أكثر تعددية، ازدادت قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة على بناء علاقات متوازنة مع مراكز القوة المختلفة. ولذلك فالعلاقة بين فلسطين وأوكرانيا ليست علاقة سببية مباشرة، بمعنى أن تحرير فلسطين سيؤدي تلقائيًا إلى تحرير أوكرانيا، وإنما علاقة استراتيجية محتملة تقوم على تغير البيئة الدولية نفسها؛ فكلما تراجعت قدرة مركز واحد على التحكم في الخيارات الدولية، اتسعت مساحة القرار المستقل أمام الشعوب والدول.

 

وفي هذا المسار، تصبح فلسطين إحدى محطات التحول الكبرى في الشرق الأوسط، في بناء منظومة سياسية مستقلة ،فيما تتيح إعادة تشكيل النظام الدولي أمام أوكرانيا وغيرها من الدول مساحة أوسع لاستعادة استقلال قرارها الوطني. وبذلك تتجاوز فلسطين وأوكرانيا نطاق الحرب المباشرة، لتغدوا مؤشرين على تحول أعمق في بنية النظام العالمي: انتقال العالم من نظام تهيمن عليه قوة مركزية إلى نظام أكثر تعددًا، تتنافس فيه القوى وتتفاوض، وتغدو السيادة والاستقلال وتوازن المصالح ركائز أساسية في تشكيل ملامح المستقبل الدولي.