x

محمد منذر ورد يكتب للشبيبة: تقارب سوري – تركي متسارع.. وإسرائيل تراقب خريطة نفوذ جديدة تتشكل من أنقرة إلى دمشق

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٤/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٣:١٩ م
محمد منذر ورد يكتب للشبيبة: تقارب سوري – تركي متسارع.. وإسرائيل تراقب خريطة نفوذ جديدة تتشكل من أنقرة إلى دمشق
محمد منذر ورد

بقلم : محمد منذر ورد

تدخل العلاقات السورية – التركية مرحلة جديدة تبدو مختلفة في طبيعتها وحجمها عن السنوات السابقة، مع تسارع اللقاءات السياسية والأمنية بين دمشق وأنقرة، وظهور مؤشرات واضحة على انتقال العلاقة من التنسيق المرحلي إلى بناء شراكة أوسع تشمل الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية وإعادة الإعمار.

وجاء لقاء وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره التركي هاكان فيدان في أنقرة ليشكّل محطة أساسية في هذا المسار، خصوصًا أن المباحثات لم تتوقف عند حدود العلاقات الثنائية، بل امتدت إلى عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، وفي مقدمتها الوضع في جنوب سوريا، ومستقبل شمال شرقي البلاد، والتطورات المرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى التوتر المتصاعد مع إسرائيل.

وتشير طبيعة الملفات المطروحة إلى أن دمشق وأنقرة تحاولان إعادة رسم شكل العلاقة بينهما على أسس أكثر مؤسساتية، بعد سنوات طويلة اتسمت بالتوتر والتباعد السياسي والأمني. ومع المتغيرات التي شهدتها سوريا منذ نهاية عام 2024، تحولت تركيا إلى أحد أبرز الأطراف الإقليمية المنخرطة في دعم الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، مع الحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية المباشرة.

وتعزز هذا الاتجاه مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق ولقائه المسؤولين السوريين، حيث برز الحديث عن تفعيل مجلس التنسيق الأعلى السوري – التركي، وتوسيع التعاون بين الوزارات والمؤسسات الرسمية في البلدين، إلى جانب دفع مشاريع مشتركة في مجالات التجارة والطاقة والكهرباء والنقل والبنية التحتية.

وتكشف الأرقام المعلنة عن حجم التحول في العلاقات، مع توقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وربط مؤسسات حكومية سورية بنظيراتها التركية، وهو ما يشير إلى رغبة مشتركة في الانتقال من العلاقات السياسية التقليدية إلى شراكة عملية تستند إلى المصالح الاقتصادية والتنموية طويلة الأمد.

لكن البعد الأمني يبقى الأكثر حساسية في هذه العلاقة، لاسيما في ظل التطورات المتسارعة في شمال شرقي سوريا. فمستقبل قوات سوريا الديمقراطية واندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية يمثل أحد الملفات التي تتابعها أنقرة عن كثب، انطلاقًا من مخاوفها الأمنية المرتبطة بالحدود والتنظيمات الكردية المسلحة.

وفي المقابل، يبدو أن دمشق تسعى إلى تثبيت مبدأ وحدة الدولة واحتكار المؤسسات الرسمية للسلاح والقرار الأمني، بما يسمح بإنهاء حالة تعدد القوى العسكرية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

أما الملف الإسرائيلي، فقد تحول بدوره إلى أحد أبرز عناصر التقارب السوري – التركي. فاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، والوجود العسكري الإسرائيلي في عدد من المواقع، أثارا مخاوف متزايدة من تحول سوريا إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية.

ومن هنا جاءت التصريحات التركية الأخيرة التي انتقدت السياسة الإسرائيلية في سوريا، واعتبرت أن استمرار التدخلات العسكرية يهدد فرص الاستقرار ويعرقل مسار إعادة بناء الدولة السورية.

وفي الوقت نفسه، تحاول دمشق الحفاظ على مسار دبلوماسي يهدف إلى تخفيف التصعيد، مع التأكيد على سيادة سوريا ووحدة أراضيها والتمسك باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 باعتباره أحد المراجع الأساسية لأي ترتيبات أمنية مستقبلية في الجنوب السوري.

وتبدو تركيا حريصة على ألا تتحول سوريا إلى مساحة مواجهة مباشرة بينها وبين إسرائيل، خصوصًا في ظل الحديث عن تطوير التعاون العسكري والأمني مع دمشق، وهو ما يجعل الملف السوري جزءًا من معادلة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وعدد من القوى الدولية والإقليمية.

اقتصاديًا، تملك العلاقة السورية – التركية فرصًا كبيرة، خاصة في ملفات إعادة الإعمار والنقل والطاقة والتجارة والمناطق الحرة. فتركيا تمتلك قطاعًا صناعيًا وإنشائيًا واسعًا وقربًا جغرافيًا يجعلها واحدة من أكثر الدول قدرة على المشاركة في عملية إعادة بناء البنية التحتية السورية.

كما أن إعادة فتح الطرق التجارية وخطوط النقل والربط الكهربائي والسكك الحديدية يمكن أن تعيد لسوريا دورها كحلقة وصل بين تركيا والدول العربية والخليجية، وهو ما قد ينعكس مستقبلًا على حركة التجارة والاستثمار في المنطقة بأكملها.

وتكتسب قضية اللاجئين السوريين في تركيا أهمية خاصة ضمن هذه التحولات، إذ إن استقرار الوضع الأمني والاقتصادي داخل سوريا يمكن أن يشجع على عودة أعداد أكبر من السوريين، وهو ملف يحمل أهمية سياسية واجتماعية كبيرة بالنسبة للحكومة التركية.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى سوريا، إذا تمت، سيحمل رمزية سياسية كبيرة، وقد يمثل تتويجًا لمرحلة من التحول المتسارع في العلاقات بين البلدين، ورسالة واضحة بأن دمشق وأنقرة تتجهان نحو بناء شراكة جديدة تتجاوز خلافات الماضي.

لكن نجاح هذه الشراكة لن يكون مرتبطًا فقط بحجم الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرة الطرفين على إدارة الملفات الحساسة، خصوصًا العلاقة مع إسرائيل، ومستقبل شمال شرقي سوريا، وأمن الحدود، وملف اللاجئين، وإعادة الإعمار.

سوريا اليوم تقف أمام مرحلة سياسية مختلفة، تحاول خلالها إعادة بناء علاقاتها الإقليمية والانفتاح على محيطها بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع. وتركيا، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والاقتصادي، ستكون بلا شك واحدة من أبرز الدول المؤثرة في مسار هذه المرحلة.

ومن أنقرة إلى دمشق، تبدو الرسالة السياسية واضحة: هناك خريطة جديدة للعلاقات تتشكل في المنطقة، وسوريا تحاول أن تستعيد موقعها داخل هذه الخريطة، في وقت تتسابق فيه القوى الإقليمية والدولية على تحديد شكل التوازنات القادمة.

أما السؤال الأهم، فهو ما إذا كانت هذه التحولات ستنجح في تحويل التقارب السوري – التركي إلى عامل استقرار حقيقي، أم أن تعقيدات الصراع الإقليمي، وخصوصًا مع إسرائيل، ستضع هذه العلاقة أمام اختبارات أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة.